KM
news

مرحلة المس بالاحتياطي بدأت… رغم أنف المركزي!

كتبت سابين عويس في “النهار”:

بقلق شديد، تلقف الوسطان الاقتصادي والمالي بيان مصرف لبنان المركزي الصادر امس، وفيه إعلانه صراحة، ولأول مرة، انه لم يعد قادراً على دفع الكلفة الإجمالية المطلوب تحويلها الى المصارف لحساب شركات الأدوية والمستلزمات الطبية وحليب الرضع والمواد الأولية للصناعة الدوائية، من دون المساس بالتوظيفات الالزامية للمصارف، معلناً رفض مجلسه المركزي لهذا الامر.

في بيان المركزي الذي كشف فيه ان اجمالي المبالغ المطلوبة يصل الى مليار و٣١٠ ملايين دولار، منها ٤٨٥ مليوناً دفعها في الفترة الممتدة بين مطلع السنة الجارية ولغاية ٢٠ أيار منها،يضاف اليها ٥٣٥ مليوناً هي مجموع الملفات المرسلة الى المركزي. علماً ان الطلبات المقدمة منذ بدء العمل بالآلية وعددها ٧١٩ طلباً بلغت قيمتها ٢٩٠ مليون دولار.

في كشف الحساب الذي قدمه المركزي، اشارة واضحة الى شكوك لديه حيال هذه الطلبات واكلافها، سيما وان المواد المستوردة مفقودة من الاسواق، مقابل تأكيد من وزير الصحة ان الأدوية متوافرة في مخازن المستوردين!

بقطع النظر عمن يكذب في هذا المجال، وما اذا كانت المستلزمات والادوية المطلوبة متوافرة في المستودعات، ومحزنة في انتظار صدور قرار رفع الدعم، لتحقيق المكاسب المالية، فإن ما أعلنه المركزي امس خطير، ويجدر التوقف عنده، لأنه شكل اول اعتراف رسمي وعلني بأن الاحتياطات المتوافرة لديه والعائدة للالتزامات المالية للمصارف قد تراجعت عن مستواها، وهي أصبحت دون ال١٥ مليار دولار، واي سداد للمبالغ الجديدة المطلوبة اي ٥٣٥ مليون دولار يغني عملياً ان الاحتياط سيبلغ في فترة قصيرة جداً مستويات حرجة!

والجانب الخطير في الموضوع ان اعلان المركزي يأتي بعد تحذيرات أبلغها حاكمه قبل أسابيع للمسؤولين في الدولة بتناقص احتياطاته، وبالتالي قدرته على الاستمرار بسياسة الدعم.

لكن تلك التحذيرات لم تلق اي آذان صاغية، ذلك ان سلم الاولويات لقاطني قصر بعبدا والسرايا مختلفة، ولا تقيم إعتباراً للاستنزاف الحاصل لما تبقى من أموال الناس في مصرف لبنان.

فرئيس الجمهورية كان منشغلاً بملف التدقيق الجنائي الذي حل في المرتبة الاولى من اهتماماته في شهر نيسان الماضي وتحديدا في مطلعه، عندما خصص خطابه الى الأمة لهذا الملف الذي اعتبره في حينها معركة اصعب من تحرير الارض، داعياً الى عقد جلسة استثنائية للحكومة المستقيلة لاتخاذ القرار المناسب لحماية ودائع الناس وتحديد المسؤوليات تمهيداً للمحاسبة.

هذه الاولوية تراجعت في نهاية الشهر لتحل محلها اولوية ترسيم الحدود، فكان هذا العنوان الابرز، قبل ان يحل أيار وتحتل القاضية غادة عون واقتحاماتها البوليسية الشاشات المحلية والأجنبية.

في الوقت عينه، كانت اولوية رئيس حكومة تصريف الاعمال البطاقة التمويلية.

قصد الدوحة ولم يوفق. عاد الى السرايا لترؤس اجتماعات ماراتونية غاب عن معظمها الوزير المعني بمسألة التمويل، اي وزير المال، لتُرمى الكرة لاحقاً في وزارته بحثاً عن تمويل من الاحتياط في الموازنة!

كل هذه العناوين الرنانة والفضفاضة، واستنزاف #الاحتياطي لدى المركزي جارٍ بوتيرة متسارعة، حتى بلغ الخط الأحمر، ودفع الحاكم الى رفع الصوت، والطلب الى السلطات المعنية إيجاد حل للمعضلة الانسانية والمالية المتفاقمة.

ولكن عن اي حل يبحث سلامة، والى اي سلطة معنية يتوجه بطلبه، ومن من هذه السلطات “على السمع”؟

في الواقع ان بيان المركزي يؤسس لمرحلة جديدة من التعاطي مع ملف الدعم.

وما قصده الحاكم في بيانه يشي بأن المصرف المركزي قرر اعادة النظر بسياسة الدعم المتعلقة بالأدوية والمستلزمات الطبية، واضعا. السلطات المعنية امام مسؤولياتها في اتخاذ الاجراءات المطلوبة، وهي سهلة وقابلة للتحقق اذا توافر القرار في ذلك.

لا يمكن ان ينفق المركزي مليار و٣١٠ ملايين دولار في فترة خمسة اشهر، مقابل مليار و١٠٠ مليون أنفقها العام الماضي في سبيل دعم الأدوية والمستلزمات الطبية. وهذا التفاوت الهائل في الارقام يدفع الى طرح الاسئلة المشروعة واهمها لماذا هذا التفاوت، وكيف يبرره التجار والمستوردون، هل ارتفعت قيمة فاتورة الأدوية او ان التفاوت يعود الى السبب الجوهري المتمثل في التهريب الى خارج الحدود؟

وهل استغل التجار مسألة التهريب لملء المستودعات وتخزينها في انتظار مرحلة ما بعد الدعم؟

امام هذه الاسئلة، يصبح مشروعا. ايضاً السؤال عن الدور الرقابي، ولماذا تغيب المراقبة والمحاسبة والتدقيق والملاحقة؟

الثابت حتى الآن في ظل غياب اي جواب شافٍ على هذه الاسئلة، ان المركزي حسم أمره باعادة النظر بسياسة الدعم، والتوجه نحو ترشيده، بما يتيح خفض الفاتورة بقيمة ٦٠٠ مليون دولار في النصف الثاني من السنة الجارية، على ان يتوافق ذلك مع الافراج عن البضائع المخزنة او المعدة للتهريب.

واي كلام خارج هذا السياق، ولا سيما في ظل تمسك وزير الصحة بالإبقاء على الدعم، سيعني حكماً الخضوع للنفوذ السياسي المستحكم وللمصالح الخاصة، كما سيعني إعدام الاحتياطات حتى استنزاف آخر دولار منها!

المزيد من الأخبار