KM
news

أنطوان مسرّة : لتكاتف “القوى السياديّة” بما يخدم تحقيق “الإستقلال الثالث”

أنطوان مسرّة : لتكاتف “القوى السياديّة” بما يخدم تحقيق “الإستقلال الثالث”

البروفسور أنطوان مسرّة

قَلبت “الفورة الشعبية” التي انطلقت في 17 تشرين الطاولة على مفاعيل التسوية الرئاسيّة التي أطاح بنودها التشاركيّة الوزير جبران باسيل، في طريقه لاستنساخ المعادلة التي أوصلت العماد ميشال عون إلى بعبدا “أنا أو لا أحد”، بحيث شكّلت الـ “هيلا هو” القاسم المشترك بين الغاضبين من سياسات العهد الإستفزازيّة في الساحات من البقاع والجنوب والشمال وصولاً إلى وسط العاصمة، التي شهدت بدورها على إسقاط الحكومة التي تحكّم باسيل من خلال وزرائه الـ 11 في أدائها، لتتبدد بعدها الآمال التي جسدتها جماليّة الساحات المنتفضة، مع سياسة الإنكار والتعميم المنتهجة من قبل بعض المجموعات التي برزت في الساحات مكرسةً نهج الإلغاء والتضليل والتعميم برفع شعار “كلن يعني كلن”.

الإنتفاضة او “الفورة الشعبيّة” التي عُرِفت بـ”ثورة 17 تشرين”، تمخضت سريعاً عن إئتلافات، وحركات، ومجموعات، ونوادٍ، ومجالس وتحالفات لقوىً من الحراك، تتنافر في ما بينها على الإستئثار إنتخابياً بالحالة العامة التي شكلتها “الثورة”، لتُضاف بذلك إلى المكونات والعائلات السياسيّة التقليدية، في الأداء والممارسة، مغلبة التقوقع في حواصل إنتخابية بعيداً من العناوين الثورية التغييرية الجامعة.

بِحَسرة، أوضح عضو المجلس الدستوري سابقاً، البروفسور أنطوان مسرّة أن ما حصل في 17 تشرين يقظة وطنيّة عارمة، تفتقر “النضج السياسي”، (توصيفاً وليس إتهاماً أو إنتقاصاً من المشاركين ومضمون اليقظة)، وذلك نتيجة برمجة منهجيّة في تخريب عقول الناس، إعتمدتها أنظمة الإحتلال والوصاية طوال سنوات لتشتيت الرأي العام على كافة المستويات، ما يتطلب قيام مسار مؤسساتي من أجل التصدي لهذا الضياع وتحديد الأولويات إلى جانب المطالب الجوهرية الرديفة، المتعلقة بالفساد والنظام والطبقة السياسية، التي تطالب بها مجموعات الحراك، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن التعميم والبرامج ذات المطالب المتعددة الفاقدة بوصلة وأهدافاً واضحة سيكون مصيرها الفشل.

مسرّة أكّد لـ “نداء الوطن” أن جميع المطالب المحقة لا يمكن أن تستقيم في ظل غياب الدولة، مشيراً إلى أن اللبناني يذهب إلى قضايا رديفة لأنه لا يدرك بالعمق المعنى الحقيقي لـ “الدولة”، ليس لأسباب جينية، بل لأنه لم يتم “مثاقفة” الدولة بعد الإستقلال، وكتابة تاريخ لبنان إنطلاقاً من مفهوم الدولة القائم على احتكارها للقوة العسكرية والأمنية، والعلاقات الدبلوماسيّة، كما فرض الضرائب وجبايتها، وبناء السياسات العامة، ما يشكل ضبابية في الفكر اللبناني يشارك في تعميمها للأسف مثققون من دون خبرة، وأشخاص يسعون إلى التموضع والمسايرة والبقاء على مسافة واحدة من الجميع.

ولفت مسرّة إلى أنّ المشكلة الحقيقيّة تكمن في “تحلل” الدولة اللبنانية، منذ اتفاق القاهرة، ومن ثم تحالف مار مخايل بين جهة سياسية (التيار الوطني الحر)، وجيش حزب (حزب الله) مرتبط بسلاحه ودبلوماسيّته بالجمهورية الإسلاميّة في إيران، ما يتطلب تجميع القوى السياديّة من أجل أن تستعيد الدولة ثقتها كدولة، إستناداً إلى الدستور اللبناني الذي يشير بوضوح إلى هويّة لبنان وإنتمائه العربي، بعيداً من العداء مع “حزب الله”، إنما القول لا، لجيش بديل عن الجيش اللبناني، ودبلوماسيّة بديلة عن الدبلوماسيّة الرسميّة، لأن لبنان بكل تاريخه تآلف مع جميع الأحزاب ومنها التي كان من المفترض حظر أنشطتها. وأشار مسرّة إلى وجود تقدم كبير في تحديد الأولويات في لبنان بعد مطالبة البطريرك الراعي بفكّ الحصار عن الشرعيّة والقرار الوطني الحرّ، داعياً “القوى السياديّة” إلى العمل بما يخدم تحقيق “الإستقلال الثالث” كلٌ من موقعه، بعيداً من الشرذمة التي تؤدي إلى الفوضى الحتميّة، مشدداً على أن الاستمرار في التضليل بحجة “كلن يعني كلن”، يشكل خطراً جدياً يضاف إلى أخطاء “الثورة”، لأن معركة السيادة والإستقلال تتطلب تكاتف الجهود إلى جانب القوى والأحزاب السياديّة.

وعن ترجمة “اليقظة الشعبيّة” في صناديق الإقتراع، أشار إلى أن الإنتخابات في وضع احتلال ستكون مفخخة مع الخطر الكبير الذي يشكله سلاح “حزب الله” على صحّتها، تحديداً في ظل مهادنة وصداقة بعض المجموعات للسلاح غير الشرعي، موضحاً أن التغيير وتحديد الأحجام في صناديق الإقتراع يصحّ في الدول الديمقراطيّة المستقلة وذات السيادة، حيث تخاض الحملات الإنتخابية حول برامج ورؤية إصلاحيّة واضحة، في حين أن الخلل في لبنان ليس في الطبقة السياسية ولا الدستور وإدارة الحكم بشكل عام، إنما في غياب السيادة، في ظل وجود جيشين ودبلوماسيتين، بحيث لا يستقيم أي إصلاح وأي تدبير لإنتظام عمل المؤسسات الدستورية والقضائيّة، ومكافحة الفساد، وإجراء إنتخابات نزيهة في ظل عدم بسط سلطة الدولة وسيادتها على كامل الأراضي اللبنانية.

وأمام الحالة العامة التي فرضتها ساحات 17 تشرين، والتي لا يمكن إختزالها أو تجيير تمثيلها لجهة دون أخرى، أشارت مصادر لـ “نداء الوطن”، الى أن “الإئتلاف المدني اللبناني” الذي يضم “الجبهة المدنية الوطنيّة” و “بيراميد” و “Our New Lebanon”، يجهد في البحث عن أطر إستراتيجيّة بمنهجيّة واضحة لتوحيد أكبر قدر من المجموعات والأحزاب حول الرؤية والبرنامج السيادي الذي أطلقه، بعيداً عن المشاركة في خوض الإنتخابات النيابية ترشيحاً، في حين تسعى منسقة “مجلس مجموعات من الثورة” الأميرة حياة أرسلان إلى التوفيق بين المجموعات التي تتحضر إلى خوض الإنتخابات، ومأسسة عملها حول الأسس التي قام عليها مجلس المجموعات وأهمها تنفيذ الدستور ووثيقة الوفاق الوطني وحصرية قراري الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية ووحدانية سلاح الجيش اللبناني وعودة القضاء إلى استقلاليته وممارسة سلطاتة الدستورية وتنفيذ البنود الإصلاحية الملحة لاستعادة البلد عافيتها.

أما “جبهة المعارضة اللبنانيّة” التي تضم حزب الكتائب اللبنانية وحركة الإستقلال وعدداً آخر من المجموعات فتشهد مخاضاً عسيراً للإفصاح عن مكوناتها في ظل إستماتة الأحزاب التقليدية لضمّ أكبر قدر من المجموعات المدنية الحديثة العهد تبعد عنهم تموضعهم ومشاركتهم في جميع المراحل السابقة.

لتبرز في الجهة المقابلة من المجموعات السيادية التي ستنافس بعضها إنتخابياً، مجموعات أخرى تدور في فلك محور الممانعة، سبق أن شاركت في انتخابات 2018، تتحضر لخوض معركتها بوجه القوى التي شاركت في “17 تشرين” والأحزاب والشخصيات السياسيّة التي شكّلت رافعة لهذه الساحات بعيداً عن العناوين السياديّة من أجل تحقيق الإستقلال الثالث، ما يشكّل أكبر خدمة للطغمة الحاكمة التي ستعيد إنتاج نفسها على حساب الـ “أنا” الثورية والإبتعاد عن العناوين السيادية الإستقلاليّة.

بقلم طوني كرم

ان أي منشور لا يعبّر الا عن رأي كاتبه

المزيد من الأخبار