KM
news

وسيم بزي: عن السعودية والسيادة الوطنية

العهد

على مدى سنوات طويلة، لم تترك الرياض محطة أو استحقاقا لبنانيا إلا وحشرت أنفها فيه. أرادت السعودية من لبنان أن يكون تابعاً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. السفير السعودي في لبنان آمر ناه كلمته لا تصبح كلمتين، ينفّذ سياسة دولته في الداخل اللبناني، وسط جوقة من المصفّقين الذين يقدّمون طقوس الطاعة والولاء ويحجون إلى السفارة طمعاً بالرضى.

وعليه، عبّد البعض في الداخل الطريق للمملكة بأن تفعل ما تشاء ساعة تشاء. لها الحق في أن تعرقل وتمنع تشكيل الحكومة.

لها الحق في تصنيف حزب الله الحزب المقاوم الممثل بالبرلمان والحكومة وصاحب القاعدة الشعبية الواسعة بالمنظمة الإرهابية. لها الحق في بثّ الافتراءات يمنة ويسرة بحق شخصيات لبنانية من مختلف الطوائف.

لها الحق في أن تبدي رأيها بكل شاردة وواردة في الحياة اللبنانية. أكثر من ذلك، أعطت السعودية لنفسها الحق بأن تختطف رئيس حكومة لبنان وتجبره على تقديم استقالته. ربما من يقرأ هذا الخبر يعتبره خبراً من بنات أفكار أحدهم، لكنّ التدخل السعودي السافر في الشؤون اللبنانية وصل إلى هذا الحد السريالي.

كل ما سبق فعلته الرياض ولم تجد حرجاً به ولم تسوّل لها نفسها الاعتذار أو التراجع قيد أنملة عن هذه السياسة الخارجة عن المألوف.

كل ما سبق وأكثر مسموح لـ”مملكة الخير” كما يحلو للبعض نعتها، أما أن يتفوّه أحدهم بكلمة حق يراد بها حق بحق السعودية فالويل والثبور وعظائم الأمور. تماماً كما حصل مع وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال شربل وهبه الذي قامت بحقه الدنيا ولم تقعد لأنّه مسّ بالمحظورات وقال ما لم يجرؤ الآخرون على قوله.

بزي: قضية وهبه شمّاعة

المحلل السياسي الدكتور وسيم بزي يقرأ في حديث لموقع “العهد” الإخباري التضخيم الذي صاحب قضّية الوزير وهبه، فيوضح بدايةً أنّ ثمة معلومات من مصادر مسؤولة في قناة “الحرة” تقول إنّ القضية مدبرة والوزير لم يكن يعلم أنه كان على الهواء مباشرة عندما تحدّث وأن هناك من أعد كميناً للرجل وتعمّد هذا السيناريو.

برأي بزي، فإنّ أصل الحكاية في قضية وهبه أن التصريح أتى في توقيت يعيش فيه الفريق الآخر ببعده العربي والخليجي وإعلامه وأدواته الداخلية أزمة انتصار فلسطين وغزة والمقاومة وتداعياتها على مشاريعه وعلى تحالفه مع العدو “الاسرائيلي”.

وبالتالي أتت هذه القضية وكأنها ساتر أو شماعة للهروب من أزمة الخطاب الأخطر والأوسع والتي عنوانها التحالف مع العدو “الاسرائيلي”.

وهنا يلفت بزي الى أنه ليس سراً أن أداء “العربية” وكل قنواتها تحاكي المعركة الحالية بفلسطين وكأنها وجهة نظر بين طرفين ليسا متوازيين فقط لكن الواضح أن العواطف والآمال تميل بوضوح لصالح العدو.

وهبه نطق بما يشرّف الكرامة الوطنية اللبنانية

ويلفت بزي الى أنّ القضية تأتي في ظل أزمة كبيرة موجودة بالعلاقة السعودية-اللبنانية أحد آخر تجلياتها كان منع تصدير لبنان خضاره ومنتجاته الزراعية. وقد أتت هذه القضية ليستفاد منها في السياق الذي وضعت فيه.

وهنا يشدّد بزي على أنّ وهبه قد يكون نطق بما يشرّف ما يسمى بالكرامة الوطنية اللبنانية لأن هذه الكرامة أصبحت وسيلة استخدام غب الطلب بالنسبة لفريق لبناني مذلول وتابع ولا يملك أي حس سيادي.

فريق يكمن كل هدفه كل يوم بالتأكيد على دوره التابع الوظيفي المأجور مقابل المال لخدمة مصالح السعودية، وأكبر دليل على هذا الأمر هو أداء هذا الفريق أحزاباً وشخصيات ومؤسسات ومسؤولين عشية خطف رئيس حكومة لبنان سعد الحريري الموصوف في الرياض وكيف عمد هؤلاء بين 4 تشرين الثاني 2017 حتى 21 تشرين الثاني 2017 على مدى 17 يوماً لتبنٍّ أوتوماتيكي لخطاب المملكة عن قضية الحريري.

وفق بزي لم يبلع هؤلاء السنتهم الا في 22 تشرين الثاني عندما وقف الحريري على منصة عيد الاستقلال الى جانب رئيسي الجمهورية ومجلس النواب، علماً أن كل الحقائق التي ظهرت بعد ذلك عن قضية الحريري بالإعلام الغربي والأميركي بالتحديد أكدت أن الرجل كان مختطفاً.

للسعودية ممارسات خطيرة

ويؤكّد بزي أنّ كل ما “أجرم” فيه وهبه أنه دافع عن مكون وطني مقاوم يمثل ما يمثل وله ما له بحماية ما يسمى بالسيادة الوطنية الحقيقية مقابل العدو “الاسرائيلي”.

وهبه قال الحقائق كما هي وتحدث عن “داعش” كمشروع من إنتاج هؤلاء وان كان لم يسمّهم. أما كلمة “البداوة” كوسيلة عنصرية للإدانة، فقد يكون الرجل خانه التعبير بحمأة الاستفزاز -يقول بزي- الذي يشير الى أنّ الرجل وضع بموقف كان يجب أن لا يقبل به مع السعودية.

والمؤسف في هذه الحملة المسعورة التي تشن الآن أنها تريد أن تقدّم سعودية محمد بن سلمان منذ عام 2015 كمشروع طهراني منزّل له قدسيته ويحاكي النظرة الى السعودية من خلال الحرمين الشريفين علماً أن هذه السعودية هي التي شنت حرب 7 سنوات فيها ما فيها من الإبادة لشعب بكامله هو الشعب اليمني، هي التي خطفت رئيس وزارء لبنان في سياق أوسع لعملية كبيرة في “الريتز” ولم تتوقف إرهاصاتها حتى هذه اللحظة ولم تعتذر عن اختطاف رئيس وزراء لبناني حالي في حينها وليس رئيسا سابقا.

وفق بزي، هذه السعودية هي التي مارست بحق جمال خاشقجي أحد رجالات النظام التاريخيين عملية قتل موصوفة تنزع عنها أي شكل من أشكال الانسانية. هذه السعودية هي التي استقبلت رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو مرتين سراً على أرضها.

هي التي واجهها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بأقذع العبارات الى ملكها وما دون ذلك، وضج الإعلام الأميركي بآلاف العبارات المهينة بحقها وسكتت، هي التي مزقت ما يسمى الحقوق العربية التاريخية بوضح النهار وتخوض حلفاً لإدخال العدو “الاسرائيلي” ككيان طبيعي بالمنظومة العربية.

يتابع بزي :”هذه السعودية هي التي استقبلت نائب أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم بإحدى الزيارات التي لها علاقة باتفاق سياسي فيما تحاول اليوم نكران دور الحزب وأهميته”.

برأي بزي فإنّ إدخال المفهوم المتصهين على الفهم السعودي للنظرة الى واقع لبنان وحزب الله تحت ما سمي بعقيدة سلمان هو الذي جعل السعودية تنظر بنظرة صهيونية ليس الى دور حزب الله بل الى شيعة لبنان أيضاً.

وهنا يوضح بزي أنّ المسألة لم تعد مسألة حزب الله، فرئيس الجمهورية العماد ميشال عون يعاقب منذ اللحظة الأولى لوصوله الى سدة الرئاسة رغم أن السعودية كانت الوجهة الأولى لزياراته. يعاقب بخطاب أحادي عنوانه لازمة حلف ميشال عون-حزب الله.

وفي معرض حديثه، يشدّد بزي على أنّ جل ما قام به وهبه أنه نطق بما لا يتجرأ كثيرون على النطق به.

لذلك اتخذ شماعة والآن يُبنى على هذه الشماعة معمودية طويلة عريضة يراد من خلالها إعادة وضع المملكة خارج أي أهلية فقدتها لكي تكون عنصر جمع تجاه اللبنانيين.

أخطر مسألة تكمن في ابتزاز جالية لبنانية موجودة في السعودية والخليج منذ عشرات السنين كان لهذه الجالية دوراً تاريخياً ببناء الخليج بالبذل والعرق والتضحية وان كانت أخذت أجرها بتعاطٍ طبيعي على قاعدة المصلحة.

وفي الختام، يرى بزي أنّ هذه المحطة الإضافية لن تنجح بإحداث أي فارق حقيقي بالموقف المخزي للمملكة تجاه لبنان ومحاولة استعدائه.

برأيه، هذا المنطق التعميمي لن يخدم السعودية التي يجب أن تخرج عن هذا الغي في الخطاب وان ترتفع عن أدواتها الوضيعة في البلد وهي أدوات استهلكت وتبحث عن أي فرصة تنتهزها لإعادة إنتاج مشروعية لها لكنها عملياً فقدتها.

المزيد من الأخبار