KM
news

قصي خولي (٢٠٢٠) عن دور صافي – وهكذا سيعاقب حياة

عشرين عشرين المسلسل الأكثر اختياراً من الجمهور، وصاحب الأصداء الواسعة التي تفوّقت فاختلف عنه الحديث. وبين المسرح والكواليس يتأرجح صافي الديب كنقطة بداية تبدأ منه الأحداث وإليه تعود.

صافي الديب شخصيّة مربكة، خدّاعة وليست مخادعة، لا تقبل حكماً متسرّعاً، انهالت عليها الأحكام الاستباقيّة قبل بدء المسلسل. يكفي أن يتاجر صاحبها بالممنوعات ليكون مذنباً ويلطّخ بياض كفّيه بسمّ دامغ لا يحتمل التراجع أو الاعتذار. بالنسبة لي كان صعباً قبوله كمجرم راهنت أنّ قصي خولي سيكون شرير نوعيّ لا يتقاسم ملامح ذنوبه مع ما عهدناه في ثوب الجريمة.

في الأصل خلقت ملامحه متّقدة بالنقاء لم أر فيه مواصفات الأذيّة، فخُدِعت عندما كشف إدارته لشبكة الإتجار بالمخدّرات وضاعت مني الأحكام، توقّفت عن تشكيل خيوطها لأترقّب دليل آخر يثبت تورّطه بدهاليز العالمي السفلي.

عالم خلق له ازدواجيّة الوجه، يتلطّى بخضار نضرة وبسمة احتضان لأطفال الحيّ، وكفّ سخيّ اعتاد الإغداق على كلّ ضعيف ومحتاج، الكفّ نفسه يدير به أقسى جرائم العصر من قبو دكان البقالة، حيث ترتكب المجازر بحقّ الخضار لتتحوّل فوائدها الغذائيّة سمّاً قاتلاً، وفتيات حُكم عليهنّ بالظلمة يلطّخن أيديهنّ بذنب البودرة البيضاء، كأنّهنّ خُلِقنَ دون حقّ بإبصار النور.

قصي خولي مقامر شرس تتعب منه التفاصيل ولا يكتفي من اختراعها، بعد غمار الغانم قلت أنّه لن يحصل على دور بهذا الثراء الدرامي والتركيبة النفسيّة الصعبة، فاجأني في نسيم خاطر وقلب معادلة الشخصيات المألوفة فأخذ يرمي بنا في بؤر الوجع، يعلّم على ظلم الأقدار ويعطينا دروساً لاختبارات لا نتوقّع اجتيازها. مع نسيم حظي قصي بدور لا يتكرّر وظننت أنّه أهمّ ما يقدّم ومرحلة النضوج في مسيرته.

إلى أن جاء الريّس صافي ليمنحنا نموذجاً خاصّاً من الرجال، ليس نادراً إنّما يعيش بيننا ونعرفه ونتعامل معه.. رجل لا ندرك إلّا سطح مائه الصافي، لتبق الأعماق متروكة لقدرها.

صافي إبن بيئته المشبعة بالعادات والتقاليد، المؤمن المواضب على صلاته، حريص على قيم الشهامة، النبيل الذي يجيد إكرام الفقراء، والإبن البار لوالديه والمفضّل المرضي لوالدة منحته بركتها وثقتها وعوّلت على صونه تربيتها.

قدّم أصعب مشاهده لحظة موتها وتصدّر مواقع التواصل ووثقنا المشهد بمقال:قصي-خولي-جمر-الرماد-الأوّل-ويسبق-الثان/

عشق قصي صافي حتّى أدمنه، ابتدع له مميّزات تخصّه. بقدر شغفه بالتنبّه لأبسط تفاصيل الشخصيّة ابتكر أدوات وإضافات. عهدنا قصي الذي يضيف للدور من مكنوناته الإنسانيّة، ويغذّي جوانبه من ثقافته الواسعة في مهنته، فلا يكتفي بالورق المنصوص. دقّق بلغة جسد صافي وسكب عليها مادّة احترافيّة حفظها عن ظهر قلب.

مشيته تجمع بين الثقة والحذر، تعابير وجهه بين البرود والشرود والتخطيط الاستباقي. عيناه جهازيّ إنذار وصمت خاطف، تشِيان بحنان وتارةً بقسوة.

يلعب قصي على أوتار صوته، يمتهن تبديل حباله الصوتيّة، يثقلها حزناً وغضباً ويثريها رقّة وتأمّل. خامته فطرة تميّزه بين النجوم تتغيّر حسب الموقف والنص والحالة النفسيّة المفروضة .

صكّ بساطة صافي طريقة تدخينه كأبناء الحارات الشعبيّة والأزقّة، تحديداً حمله السيجارة ورميها. همساته وتأفّفاته من ضغوط الحياة ومفاجآتها.

جمع قصي في تركيبة صافي أبعاد النفس الإنسانيّة المتمثّلة بالخير والشرّ، وحرص كي يطغى بياضه على سواده. على لسانه عبارة لا تجفّ، يردّد يا عفو الله عند كلّ مطبّ، يستقصد طلب المغفرة من الله ليطمس ذنوبه، شوارعيّ مؤمن يأخذ حقّه بيده ويهدّد غريمه بشفرة تحت لسانه، لا يفوته من الزقاقيّة أدوات ولا صفات.. ويعود ليستغفر .

لعب على الخطّين معاً دون زلّة قدم، أدهش قناعتنا بتصديقه، أحببناه لأنّه صورة عن الأشياء الجميلة التي نحب، بساطته وصدقه والقيم التي يتحلّى بها أكسبته تعاطفنا وتخوّفنا من إدانته.

الحق وإحقاق العدالة في صفّ سما يجعله الجاني والجلّاد وفي الوقت نفسه، يتلوّن ليصبح ضحيّتها، سما التي أصبحت حياة وبعدها حياته. نتمنى بداخلنا أن تفشل في الإيقاع به وأن تقع في حبّه وينجو من فخّها.

سينجو صافي كما اعتاد أن يمشي في حقل ألغام ويخرج دون خسائر. سيكابر ولن يفضحها، سيكمل اللعبة بأسلوبه ويقلب الخطّة على حياة، لأنّ الأنثى كتب لها أن تكون الحلقة الأضعف في الحب. ستحبّه وتغرق بحفرتها، هذا عذابها الذي يرسمه صافي وعقاب الخائن في قانونه السفليّ وخيم.

علّهما ينجوان معاً من قدر محتوم يلوّح بنهاية منصفة، أكثر واقعيّة من أحلامنا الورديّة المستحيلة.

هذا الطموح الآسر يرفع مستوى الوجود الإنساني في لحظات، قليلة نعم، لكنّها لا تتكرّر. يجرؤ حيث لا يتجرّأ ممثّل آخر، كأنّ صرخته الأولى في الحياة كانت أمام عدسة الكاميرا ودون إدارة مخرج.

قصي لا يمثّل بل يعاني عشقاً في مهنة لا يجيد المتاجرة بها كغيره، دعساته محسوبة ويعي أنّ لا مجال للسقطات ولا توافق على نصوص عابرة وأدوار تلمع، يريد أدواراً تحرق وتصفع وتحفر في مسامات القلوب.

الشاشة تعكس تفنّنه في أداء مشاهده وإلتباسه قشوراً تخدم الأعماق، يحيكها بعفويّة تجعله سيّد المشهد ومفترس الصورة وخاطف الأضواء. وخلف الشاشة تتحلّل الرؤية، فقصي الأكثر تطلّباً، يبدو سلساً لكنّه الأكثر اعتراضاً، لا ينفّذ ما كُتب له، يهوى المجازفة فيُبحر بحثاً عن أدوات الشخصيّة ويسبكها قالباً على مقاييس رؤيته البعيدة وشغفه في البحث عن المختلف.

قصي الإنتقائيّ الصعب الذي لا يعجبه العجب. عفويّته جواز عبوره إلى جميع الأذواق والباحثين عن حقيقة دراميّة لا تمثيل وحسب. في كلّ دور يجسّده يضع بين أيدينا ماضيه وحاضره وهواجسه اليوميّة وما نهل من ثقافة وخبرات ويصوّر لنا أفقاً يصبو إلى امتشاقها.
أليسار جابر

المزيد من الأخبار