KM
news

نقاش علني حولَ عِصيان مدني

القديس توما الاكويني في ” الخلاصة اللاهوتية ” المنشور في العام ١٤٨٥ خرقَ مبدأَ الطاعةِ العمياء للقانون بشكلٍ عام معلناً موافقته على عصيان قوانينَ ظالمةٍ شرط ألا يتسبب العصيان بأضرار أكبر من تلك التي تتسبب بها القوانين أو السلطة الجائرة.

أن تصدر هذه الفتوى في زمن الملوك الأباطرة والبابوات المطوَّبين فهذا قمة الشجاعة.

في سياق المفاضلة بين عصيان مدني في لبنان وبين التفكك والإنهيار الشامل للبلاد هل يُعتَبر خيار اللبنانيين انتهاج العصيان إثماً يا ترى؟

حَرَكات تحرّر كبيرة في التاريخ اعتَمَدَت العصيان المَدَني أو ” العصيان المُواطِني ” لإحداث منعَطَفات جوهريَّة في مسارات الإهتراء.

الشّعوب تنتفض على الأنظمَة عندَما تقتلها الأنظِمَة. الفساد المُمأسس لا يُقتَلَعُ بحرقِ دولابٍ أو إشعالِ حاويةِ نفايات أو حتى إقتحامِ بيتِ نائب أو وزير.

العصيانُ أغلظُ عصا على رأس النظام اذا تحوّلَ فيه الفسادُ إلى ثقافة .

فلسفة العصيان تنبعُ من أن القوانينَ جُعِلَتْ للناس وليستِ الناسُ جُعِلَتْ للقوانين مهما سَمَتْ هذه الأخيرة وارتقَت.

تماماً كما قال السيد المسيح للفريسيين ” السبتُ إنما جُعِلَ لأجلِ الإنسان لا الإنسانُ لأجلِ السَّبت.

حانَ الوَقتُ لتُظهِرَ الشّعوبُ اللبنانيَةُ أنّه بإمكانِها التّحوّل في الملمّات إلى شَعبٍ واحِد.

لَم يعرِف تاريخُ لبنان الحَديث إنهياراً شامِلاً ومدمّراً مثل الإنهِيار الذي نحنُ فيهِ الآن.

بعيداً عَن المطوّلاتِ والتّحليلاتِ مطلوبٌ من الشّعب اللبناني تَغييرُ المعادَلَة.

يخطئُ مِن يعتقِدُ أنَّ اللبنانيين سيستمرّون بإنتهاجِ سياسَةِ الرّكونِ إلى السُّباتِ والتوكّل عَلى الله فقط.

لا بدَّ أن يستيقظوا ويتوكّلوا عَلى أنفسِهِم وأن يمسِكوا بزمامِ أمورِهِم فينقذوا أنفسَهَم مِن هَلاكٍ باتَ يعشِّشُ في جيوبِهِم وبيوتِهِم.

لَم تتغيَّر أي معادلةٍ في لبنان بصخبِ العدد. ” خَطِّة قدمكم عالأرض هدّارة ” تصحُّ على خشبةِ المسرح لا على مسرح السياسة.

أعدادُ المتظاهرين محطُّ أنظارِ الإعلام إنما لا تلفتُ نظرَ الدولِ العميقة.

مليونية يحشدُها ١٧ تشرين جديد لن تستنهض العالَم ولا همَّة الإنسانيَّة.

في العام ٢٠٠٥ ظّن الناس أن مظاهرةً مليونيةً في ساحةِ الشهداء أخرجتْ سوريا من لبنان.

خرجتْ سوريا بعدما انتهت مفاعيلُ الاتفاقِ الأميركي السوري السعودي.

مليونُ مواطنٍ كانوا بمثابة كومبارس في الملهاة المأساة.

فلنُجَرِّب العِصيان.

التمرّد على عادة الطاعة أرقَى ما يمكِن أن يقومَ بِه شعبٌ مَقهور.

أن ترفضَ التحوُّلَ كل يومٍ صباحاً الى مواطنٍ صالحٍ في دولةٍ طالحة.

يحرركَ قرارُ عدم الإعتراف بعد اليوم بهذه الدولة من خوفك. الأهم أنه يجعلك تتحسسُ بمؤهلاتك.

بقدرتكَ على ارتجالِ أي معجزةٍ فَوْقَ أنقاضِ الدولة التي تكون قد هزمْتَها من دون أن تخرجَ من بيتك.
كلّ المَواثيقِ الدوليَّة تجيزُ للناس أن يثوروا عَلى نِظ

امٍ أفقرهم بالعِصيانِ المَدَني. أن يتوقّفوا عَن دَفعِ الضّرائِبِ والرسومِ وأن يستنكِفوا فلا يذهَبونَ إلى أعمالِهِم في القِطاعِ العام مسنودين على تواطئ القطاع الخاص. عندَها تسقطُ الدولَةُ المسخُ ويَنهارُ

النّظامُ الفاسِد.

هذا ليسَ مِن قَبيلِ الأفلاطونيَّةِ المُهَودِسَة. غاندي أحدُ أبرز العُصاة.

في الهِند هندوسٌ وعَبَدَةُ آلِهَة ومسلِمونَ ومسيحيّونَ وسيخُ وبوذيّونَ فوارقهم أكثَرُ مِن تماثلِهِم.

بالرغم مِن ذلك طرَدَوا المحتلّ البريطاني.

يستَطيع الشّعب اللبناني أن يَطردَ الإحتلال. إحتلالُ دولَتِه لَه. نحنُ مُحتَلّونَ مِن دولَتِنا.

دولَةٌ تحتلُّنا ونحنُ جزءٌ مِنها.

تَحَرُّرُنا مِنها يحرّرُنا.

بالطّبع ليسَ لَدينا مَشروعٌ بَديلٌ ناجِزٌ لِما بعدَ العِصيان ولَكِن سنكتشِف أننا لسنا شعباً مَيتاً.

لَم نَمتْ بَعدُ على الأقلّ.

سنخترعُ دولتنا التي نستحقها.

ستواكبها بعض المؤسسات التي لم تفسُد.

بعض الإدارات العامة والجيش لإعادة البناء.

الوصفةُ بسيطة.

أن نتوقّف عَن دَفعِ فواتير الهَاتِف الأرضي والخَلَوي.

أن نتوقّف عَن دَفع رسومِ الميكانيك.

رسوم الكَهرباء.

الماء.

مُقاطَعَة الدّولَة المِسخ بكلّ مؤسساتِها.

لا ضريبة على القيمة المُضافة.

لا تصريح للضمان.

لا براءات ذمة.

لا طوابع مالية.

شِركات تقفل وتجّار يتوقفون عن العمل ومقاولون وموزّعو خِدمات ونقابات وإتحادات ومِهَن حرَّة يشلون كل شيء.

يتوقف النَقل العام. الأفران. المَحال التجاريَّة.

كلّ شيء.

تحويلُ المدنِ والطرقاتِ الى مرآبٍ ضخمٍ لسياراتنا.

تحويلُ الحياة الى ما يشبِهُ الربعَ الخالي.

ان نتوقفَ عن تنفيعِ الدولة حتى بفلسِ أرملة.

أسبوعٌ واحِد وتسقطُ الدولَةُ

-الوحش بالضّربَة القاضيَة.

هذا ممكِنٌ إذا أرادَ الشّعبُ أن يثبِتَ أن لبنان جَديرٌ بالتّضحيات. لا يمكِنُ تَركُ لبنان الحَضارَة في أيدي دولَة نفايات.

أيُّ دولةٍ تستطيعُ مواجهةَ العصيان؟ يعتمدُ الأفرادُ في حياتهم النضالية أسلوباً أظهرَ فاعليته في محاربةِ الظلم. الإضرابُ عن الطعام. عندما يتعلقُ الأمرُ بالشعب يتحوّلُ الإضرابُ عن الطعام إلى عصيان.

العصيانُ المُواطِني إضرابٌ عن طعامٍ وطني. يرفضُ الشعبُ تناولَ خبزِ الذلّ من أذلاءٍ فيعصى القانون.

الظالمونَ لا يَعونَ الكميةَ الهائلةَ من الظلم التي يتحمَّلُها المظلومون طالما أن هؤلاء يقبلونَ بها طائعينَ مختارين.

فقط عندما يقررُ المظلومُ رفضَ الظلم يَعي الظالمُ أن شرّهُ أوشكَ على الأُفول.

أحدى السبل التي يمكنُ سلوكُها سبيلُ العصيان.

للبحث والنقاش عن التبعات إنما بعيداً عن ثاني أوكسيد الدواليب.

المزيد من الأخبار