KM
news

العملة الرقمية جسرُ الانسان الى المريّخ؟

كتب هادي جان بوشعيا

غالبًا ما يجنح الإنسان في عالمنا اليوم، وفي كل زمن، إلى الخيال، إذا ما كان واقعه مريرًا ليوهم نفسه أنه يعيش في مكان وزمان ربما مغايرين لنمط حياته المقلق والذي يسوده الخوف والريبة من حاضر حزين وكئيب ومستقبل مجهول يكتنفه الإحباط واليأس.

هذه المقدمة ربما تقودنا لما تشهده أسواق العملات النقدية والتي ذهبت إلى أبعد من الخيال حتى بلغت حدّ الجنون… انه جنون العملات الرقمية المشفّرة المستمرّ مع تسجيل بعضها مكاسب خيالية في غضون أيام قليلة.

يتمّ استثمار مليارات من الدولارات في هذه العملات، بعدما تجدّد الاهتمام بها مؤخرًا من جانب شركات كبرى ومن أصحاب الثروات . على الرغم من أن بعضها موجود في الأسواق منذ عشر سنوات فلماذا الآن؟!

كان يكفي الملياردير الشهير إيلون ماسك مؤسس شركة “Tesla” لصناعة السيارات الكهربائية ان ينشر صورة على حسابه على تويتر الخميس الماضي ليُلهب أسواق العملات الرقمية المشفّرة حول العالم.

لعلّ صورته المركّبة على جسد قرد وهو يحمل كلبًا، المستوحاة من فيلم الرسوم المتحركة الأسد الملك أو “The Lion King” قصد بها على طريقة الفيلم الترحيب بالقادم الجديد إلى سوق العملات الرقمية وهي عملة “دودجكوين” Dogecoin التي كان قد اطلقها زوجان يعملان في برمجة الكومبيوتر على سبيل المزاح عام 2013 باعتبارها بديلاً كوميديًا لعملة الـ”بيتكوين” BITCOIN الشهيرة.

المزحة تحوّلت الى أجمل من الواقع، فما كان من هذا الترحيب إلا أن حوّل عملة “دودجكوين” Dogecoin المغمورة إلى محطّ إهتمام العديد من المستثمرين والبورصات في العالم لتقفز قيمتها بنسبة تخطت 130% في غضون أيام قليلة.

هذا الارتفاع لم يقتصر على “دودجكوين” بل انسحب على عملات مشفّرة أخرى، لا سيما عملة الـ”بيتكوين” التي تقفز قفزات كبيرة ، بعضها مبرر، وبعهضا الآخر لا يبرّره الا التهافت على عملة رقيمة بدأت بأقل من دولار ويتوقع لها المراقبون ان تقفز الى 100 ألف دولار.

شركة “Tesla” نفسها التي يقودها ماسك لعبت دورا بارزا في قفز سعر البيتكون في الأيام المضية بنحو 24 %، فهي استثمرت مليارًا ونصف المليار دولار في هذه العملة الشهر الماضي. ثم فجأت عاد البيتكون ليسجل هبوطا مفاجئا وخسارات كبرى، تبين ان السبب هو دخول الماضربين الآسيويين على الخط، ففقد البيتكوين 15 بالمئة من سعره ثم 11 بالمئة. ولا أحد يستطيع تكّهن سقوف هذه العملة في الأشهر والسنوات المقبلة.

يرجّح كثيرٌ من المحللين أن تسجّل العملات الرقمية المزيد من المكاسب مستقبلاً، خصوصًا مع إعلان شركات كبرى مثل “Tesla” و”Ford” و”Microsoft” و”PayPal” وسواها عن قبولها للمدفوعات بهذه العملات، فيما يقول إيلون ماسك، الذي تخطط شركته الأخرى “SPACEX” لنقل البشر إلى المريخ، إن الإقتصاد على الكوكب الأحمر يمكن أن يعتمد على العملات الرقمية المشفّرة.ثمة من يعتبر ان هذه باتت لغة العصر، وان على البشر التكيّف معها، وآخرون يرون أن أما ما يقوم به ماسك وأمثاله من المدراء التنفيذيين لشركات عملاقة من اختلاق قصص من نسج الخيال ويديرون بذلك محافظ مالية واسهمًا تقّدر بمئات المليارات من الدولارات لمستثمرين حول العالم وايهامهم أنها ستعود عليهم بأرباح خيالية يشكّل ضربًا من الجنون.

صحيح أنهم قد يحققون ارباحًا مذهلة ولكن هامش الخطورة بالمقابل مرتفع جدًّا حيث لا تعويض!

اللافت أن الشركات والمؤسسات المالية التي كانت تنتقد هذه العملات الورقية وتدعوا الى وضع قوانين لضبطها، صارت شيئا فشيئا تغيّر آراءها، فهذه مثلا شركة “JPMorgan” تقوم بشراء العملة الرقمية “Coinbase” إحدى أكبر منصات تداول العملات الرقمية ، وهو ما كان يُعتبر سابقا ضربا من المستحيل.

من الواضح اذا، أن غياب أو فشل المصارف المركزية التي وعدت، منذ ثلالة أعوام، بأنها ستصدر عملة رقمية محكومة بالنظم والقوانين، هو ما فتح الباب أمام هكذا سيناريوهات خيالية.

ولعل هذه يطرح تساؤلاتٍ لدى الخبراء حول تأخر المصارف المركزية بإطلاق هذه العملات ويعزون السبب لقرار سياسي أكثر منه اقتصادي نتيجة هيمنة الدولار كإحدى الأدوات الضاغطة، علمًا أنه باتت واضحًا الحاجة لعملة رقمية التي تخضع أساسًا لتقنية البلوكشين.

وهي تقنية لتخزين والتحقق من صحة وترخيص التعاملات الرقمية في الأنترنت بدرجة أمان وتشفير عاليتين قد يكون من المستحيل كسرها في ظل التقنيات المتوفرة اليوم.

في الختام، نتساءل هل هناك توجّه عالمي كبير الآن لدخول المؤسسات المالية والمصرفية إلى هذا الفضاء الإلكتروني وقام ماسك باستباق ذلك؟

وهل نشهد اليوم ضغطًا على كبريات بنوك العالم والحديث هنا عن أميركا ودفعها لتتبنى إحدى العملات الرقمية الموجودة في السوق أو حثّها لإصدار عملة رقمية خاصة بها ؟

ثمة أسئلة أكثر غرابة ومنها: هل صحيح أن لدى الإنسان عمومًا والمستثمرين خصوصًا نوايا دفينة لمغادرة كوكب الأرض والتوجّه إلى المريخ بعدما عاثوا في هذه المعمورة فسادًا وخرابًا. وذلك يبرز البحث الدائم عن محيط جديد للسكن. وماذا بعد المريخ؟!

المزيد من الأخبار