KM
news

لبنان المكشوف على نحو صادم أمام جائحة كورونا

بقلم الدكتور وهيب سلامة

لم يصدًق اللبنانيون أن ساعة الحقيقة دنت، وان أمنهم الصحي بلغ هذا الدرك من الانكشاف والبؤس والرعب. قبله حدثت مقدمات معروفة قادت إلى هذه النتائج الكارثية سواء على صعيد الدولة وسياساتها وأجهزتها ولجانها، أو على مستوى المؤسسات، وكذلك المواطنين الذين لم يتعاملوا مع هذا المستوى العالي من الخطورة بالجدية اللازمة.

فقد استفاق اللبنانيون أمام هول الكارثة التي سرّعت من أختطاف الأحبة والمعارف، وان الفيروس الذي تعاملوا معه إنكاراً واستهتاراً بدأ يُظهر خبثه بهجمات متلاحقة اشد عصفاً، وهو يملك قدرات عالية على التكيَّف وسرعة الإنتشار..

فبالرغم من أن السباق بدا مرعباً وباصابات لم تتعد العشرات بداية، حتى ان وزير الصحة حمد حسن الذي أتحف اللبنانيين بدعواته لهم لعدم الهلع وبتصريحاته ونصائحه وغزارة إطلالاته الاعلامية وممارساته التي لم تخلُ من “الهفوات ” و”البهورات ” الفارغة، حتى وصل به الأمر إلى حد الإعلان مزهواً عن انتصاره ولبنان على الفيروس اللعين بفضل “عنترياته وصولاته وجولاته” محمولاً على الأكتاف. بينما الفعلي أنه وباقي مسؤولي الدولة وسياساتهم التي مهدت للكارثة بأشكال متعددة أبرزها اهمال المستشفيات الحكومية على مدى عقود متلاحقة، بينما كان القطاع الخاص يتلكأ عن القيام بدوره وتعزيز تعبئته لمواجهة دفق من المصابين المرجحين للوصول إلى مؤسساتهم الطبية.

وبعد مضي العام تقريباً على انتشار الجائحة التي حصدت قرابة المليوني ضحية، وأصابت ما يقارب المئة مليون إنسانٍ حول العالم، استفاق اللبنانيون على وقائع هول كارثة انسانية وطبية محدقة بهم من محتلف الجهات. حيث تبين ان الاهتراء والفساد بلغ مستويات غير مسبوقة من حيث انعدام المسؤوليات السياسة، القانونية، الأخلاقية والإنسانية.

فبدل ان يُصرف الوقت المتوافر في حينه في تحصين وتعزيز الدفاعات الصحية،

وتعبئة الموارد المتوافرة من مساعدات وقروض (البنك الدولي، منظمة الصحة العالمية، دول، جمعيات ومنظمات.) واستخدامها بشفافية على النحو الصحيح والطاريء، ومواكبة ذلك كله مع خطة وطنية صحية شاملة لمواجهة الوباء، بالتنسيق مع أهل العلم والاختصاص من الكفاءات العلمية والطبية والمؤسسات العامة والخاصة: (مستشفيات وجامعات ونقابات…).

وكذلك في استحداث التشريعات القانونية اللازمة لاستيراد اللقاحات، وعقد الاتفاقات مع الشركات المصنعة لها، وتحديد الكميات وخطط وآليات التحصين الوطني العامة.. مضافاً لها افتتاح أقسام علاج مرضى الكورونا في المستشفيات العامة والخاصة، وتجهيز وإعادة افتتاح المستشفيات المتوقفة عن العمل في العاصمة والمناطق، بعد اعادة تأهيلها وتجهيزها بالمعدات الخاصة لمواجهة الجائحة بما فيها غرف العناية المركزة واجهزة التنفس الأصطناعي..

جرى إخضاع الفتح والإقفال للمصالح السياسية والاقتصادية للقطاعات وأفدحها في غضون السماح بفتح المطاعم والمقاهي والحانات لمناسبة الأعياد نهاية السنة، وامتد الأمر إلى انتظار الاحتفال بعيد الأرمن، ما وضع البلاد أمام مقدمات الكارثة الراهنة.

وتجدر الإشارة إلى أن الاهتمام بالكوادر البشرية من أطباء وممرضين ما زال حتى اللحظة في أدنى مستوياته رغم الخسائر والاصابات الفادحة التي يتعرض لها.

فحتى تاريخه لم تسن التشريعات اللازمة التي تحمي الأطباء والكوادر الطبية، الذين يتقدمون صفوف المواجهة بما فيها معاملة الشهداء من الجسم الطبي كشهداء واجب، مع ما يستلزم ذلك من تقديمات اجتماعية، وحوافز مادية لهم ولأسرهم من جهة، وإعداد وإشراك الأطباء ومن الاختصاصات كافة مع الجسم التمريضي لخوض هذة المواجهة الإنسانية والوطنية الشاملة… علماً انه سقط حتى الآن ١٢ شهيداً من الأطباء في هذه المواجهة المفتوحة.

هذا ولم نتحدث عن الضحايا في الجهاز التمريضي ، وأعداد المصابين والمحجورين من أطباء وممرضين وعاملين في المستشفيات والاسعاف والإدارات الطبية، وبالتالي خروجهم من مواقعهم في الصفوف الأمامية من المعركة.

والجانب الاقتصادي في عمل هذا الفريق لا يقل أهمية عن سواه إذ يتبين أن 20% من الجهاز الطبي غادروا لبنان و20% أيضاً مصابون ويخضعون للحجر. وتبقى الطاقة المتوافرة والتي تعمل بأقصى قدراتها وسط ظروف ضغط وبائي يفيض عن قدراتها على المواجهة.

في الموجة الثانية من الجائحة وجد لبنان نفسه عاجزاً ودون دفاعات كافية على جميع المستويات، فأعداد المصابين تضاعفت ووصلت إلى مشارف الستة آلاف اصابة يويماً ، وبوفيات بلغ فاق معدلها اليومي 60 شهيداً وعدد إجمالي زاد عن 2200، مع عدد اجمالي للمصابين بالوباء وفق الاحصاءات المعلنة تجاوز 275,000 إصابة.

ومع هذا التصاعد في أعداد المصابين والتفشي الوبائي الخارج عن السيطرة، أصبح العثور على سرير شاغر لمصاب أو حتى مريض عادي من سابع المستحيلات. وفي الوقت الذي أنجز لبنان حالة التعبئة والأقفال الشامل والكامل للمرة الثالثة بعد ان جرّب سابقاً الإقفال المحدود، والموضعي والحجر والحجز رغم ما رافقه من عشوائية. وبانتظار عملية تقييم كاملة لهذه المرحلة بسلبياتها وإيجابياتها.

وهكذا لم يكن أمام اللجنة الوزارية ومجلس الدفاع سوى تمديد الاغلاق الكامل حتى الثامن من شهر شباط المقبل. وبالتالي شل الحياة لشعب انهكته أصلاً الأزمات الاقتصادية، المالية والنقدية وانهيار العملة الوطنية ومستويات فقر باتت تفوق ال ٦٠٪؜من اللبنانيين، هذا عدا نسبة أعلى بين اللاجئين إليه من فلسطينيين وسوريين وغيرهم من العمال الأجانب في البلاد.

وأمام هول واتساع وانفلاش الكارثة الآخذة في التفاقم لا بديل عن المواجهة الجادة وبخطة وطنية شاملة عمادها :

سياسيا: حكومة من المستقلين التي لا تخضع اجراءاتها الصحية لمصالح فئات سياسية واقتصادية، وهذه، لا يبدو أن هناك إلى الآن أي امكانية للتجاوب مع إلحاح قيامها داخلياً وعربياً ودولياً كما تكشف التعقيدات الراهنة. على أن تضم فريق عمل من المتخصصين في مجالاتهم تعمل على وضع خطة انقاذ عاجل له مقوماته الاقتصادية والصحية والاجتماعية الشاملة، وبعيداً عن سلطات المحاصصة والفساد والدمار والموت..!

أما على الصعيد الصحي فلا بديل عن الانخراط في عملية متكاملة تبدأ من تأمين علاج المرضى وتعبئة الإمكانات المتوافرة في القطاعين، وهي ليست بسيطة اذا ما تمّ حشدها وإدارتها على نحو مدروس، والتشدد في الالتزام بكل موجبات الوقاية وضبط التفلت الحاصل، وبعضه له مبرراته على الصعيد الاجتماعي والمعيشي، والاستعجال في تأمين اللقاح من مصادر متعددة، بدل الاكتفاء بمصدر واحد يتيم، والإجازة للقطاع الخاص باستيراده من مصادره الدولية، وذلك لتأمين حق جميع المواطنين والمتواجدين على أرض لبنان في الحصول على اللقاح ومجانيته.

إن هذه الخطوات وسواها مما يدعو له المتخصصون يومياً هي الكفيلة بقيام مواجهة فعّالة، وبالتالي توفير القدرات لتجاوز الوضع الكارثي الذي وضع لبنان في الموقع الثاني عالمياً لجهة التفشي والفشل في مقاومة الوباء.

المزيد من الأخبار