KM
news

الصراع حول حقول الغاز: المتوسّط لم يعد «بحيرة غربية»!

التوتر يستمر بالتصاعد بين أنقرة وباريس على خلفية المواجهة الدائرة بين تركيا واليونان حول حقول الغاز في هذه المنطقة.

كان اكتشاف هذه الحقول الضخمة قد أعطى دفعاً كبيراً لطموحات تركيا التي تستورد 95 في المئة من حاجاتها في مجال الطاقة من روسيا وأذربيجان.

يمثّل تحدي الطاقة أولوية بالنسبة إلى أنقرة التي شاركت في المفاوضات حول مشروع أنبوب الغاز، الذي سيربط إسرائيل بتركيا، قبل أن يتم إقصاؤها عنه في 2019.

“اليونان وقبرص وإسرائيل، وإلى حد ما مصر، عمدت الى تهميش الأتراك عبر إنشاء منتدى الغاز بدعم من فرنسا. قررت أنقرة الخروج من عزلتها المفروضة عبر استخدام بحريّتها”، وفقاً لمارك أنطوان آيل مازيغا، مدير “مركز الغاز والبيئة” في “المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية”.

أمّا فرنسيس بيران، مدير الأبحاث في “معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية”، فهو يعتقد بأن الخلافات القديمة، التي ما زالت راهنة، بين تركيا من جهة، واليونان وقبرص من جهة أخرى، هي أيضاً بين دوافع الوجود البحري التركي المتزايد في المتوسط.

“بالنسبة إلى قبرص، فإن أنقرة تسعى إلى إزعاج عمليات التنقيب التي تقوم بها الشركات النفطية قبالة شواطئ هذه الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، ولممارسة الضغوط على نيقوسيا في ما يتعلق بأي حقول جديدة في المتوسط، وعرقلة استطلاع مناطق جديدة قد تحتوي على الغاز الطبيعي”، حسب بيران.

لكن، وبمعزل عن الغاز والخلافات التاريخية، فإن تركيا تريد تأكيد موقعها المركزي في منطقة اعتبرت لزمن طويل دائرة نفوذ غربي حصري، وإعادة النظر بالهيمنة المديدة للقارة العجوز. “نظام إردوغان يعتبر أن مرحلة التعاون مع الاتحاد الأوروبي انتهت، وتخلى عن مطلب الانضمام إليه، وهو يعتزم الدفاع عن مصالح تركيا.

هي ترى نفسها محاطة بقوس أزمات يمتد من البلقان إلى القوقاز، مروراً بالشرق الأوسط، وتشعر بالتهديد من الصراعات المحتدمة فيه. في مثل هذا السياق، تعتبر تركيا أنها لا تستطيع الاعتماد سوى على نفسها، ما يفسر سياستها المتشددة”، بنظر آيل مازيغا.

دخل البحر طور التدويل التدريجي في السنوات الماضية

النشاط التركي المتزايد في المتوسط يستفز بشكل خاص فرنسا، التي شرعت بدورها في تكثيف وجودها العسكري في شرقه.

هي تعمل أيضاً على تعبئة دول الاتحاد الأوروبي للحصول على دعمها في مقابل تركيا في هذه المنطقة. وقد احتل هذا الموضوع حيزاً مهماً من المباحثات بين الرئيس إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، مع العلم بأن ألمانيا ما زالت ترجح الخيار الدبلوماسي حيال تركيا.

“بنظر فرنسا، فإن المناورات العسكرية المشتركة مع قبرص واليونان وإيطاليا والإمارات هي خطوة نحو حزم أكبر تجاه أنقرة”، يقول بيران.

لكن بعض المراقبين يشيرون إلى أن رد فعل أوروبياً مفرطاً في التشدد ضد تركيا قد يضاعف من انزياحها نحو الشرق ومن تقاربها مع روسيا.

يعتقد بيران أن العلاقات بين أنقرة وموسكو معقدة، ما يعني أن المزيد من التوتر بين الأولى وأوروبا لن يقود آلياً إلى تعميق صلاتها بموسكو.

“علاقات بوتين بإردوغان جيدة، وهم على تواصل مستمر، ويتوافق البلدان حول بعض الملفات، وهناك تعاون مهم بينهما في ميدان الطاقة، وتحاول موسكو الإفادة من احتمال انزياح أنقرة نحو الشرق.

لكنهما من جهة أخرى في معسكرين متقابلين في سوريا وليبيا، وتركيا ليست مستعدة للتخلي عن المعسكر الغربي على الرغم من أن فرص انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي باتت ضئيلة جداً.

العضوية في الناتو مهمة جداً بالنسبة إلى القادة الأتراك، وكذلك العلاقات مع الولايات المتحدة.

اشترت تركيا من روسيا نظام S400، لكنها تبحث عن تسوية مع الأميركيين لتجنب إقصائها من مشروع طائرة F35، والعقوبات التي يريد البعض فرضها عليها في الكونغرس. الانزياح للشرق لديه حدود”، برأي بيران.

يوافق مارك أنطوان آيل مازيغا على هذا التحليل. وهو مقتنع بأنه على الرغم من أن المحاولة الانقلابية ضد إردوغان قد سمحت له بالتخلص من العناصر الموالية للغرب في النخبة العسكرية التركية واستبدالها بأخرى أقرب إلى روسيا، فإن أنقرة متمسكة بارتباطها الجيوسياسي بواشنطن.

“تركيا باقية في الناتو، وهي تعتبر نفسها بمعنى ما منافسة للصين. ما يمكن أن نلحظه هو أن تدهور علاقاتها مع فرنسا ترافق مع تحسّن تلك التي تجمعها بالولايات المتحدة، وذلك على الرغم من أزمة الـ S400”.

لكن صعود دور تركيا، العضو في “الناتو”، ومواقفها في سوريا وليبيا وشرقي المتوسط، تعيد النظر بالواقع القائم في هذه المنطقة.

روسيا عادت إليها بسبب الحرب في سوريا، وباتت الصين أيضاً تنوجد فيها تدريجياً.

المشهد المستجد يدفع إلى مراجعة مقولة أن المتوسط بحيرة غربية. “هو بحر دخل طور التدويل التدريجي في السنوات الماضية.

لم يعد مسرحاً حصرياً لدوريات ومناورات الأساطيل الفرنسية والبريطانية والأميركية، بل تحوّل ساحة رئيسية للتنافس الدولي بين القوى الكبرى العالمية”، يختم آيل مازيغا.

المزيد من الأخبار