KM
news

فخرالدين: الطوق الأمريكي يتفكك عن الكوكب – أسباب وأبعاد

بقلم : الناشط السياسي علي فخر الدين

يقول جون تولار وهو مؤرخ فرنسي ” محكومة هي الإمبراطوريات بالموت”

وهذه القاعدة حقيقة مطلقة تسري على في كل زمان ومكان وأي شكل من أشكال نظام الحياة أو المؤسسات او القوى العظمى أو الإمبراطوريات في كل العصور ولنا في التاريخ عبرة وصورة من الإمبراطورية الرومانية والبزنطية والنمساوية والعثمانية والجرمانية المقدسة وغيرها…..

فمنها من يحتضر احتضارا طويلا ومنها من يحتضر من طول شيخوختها ومنها من يتفكك داخليا…..

وتتعدد أسباب تفكك الإمبراطورية أو القوى العظمى في التاريخ ولكن هناك أسباب مشتركة كانت سببا في فناء القوى وضمورها.واليكم أبرز الأسباب

أولا” هزيمة عسكرية نكراء

عند قيام أي حضارة وتوسعها وتمددها لا بد أن تخوض حروبا” ونزاعات من أجل التوسع والتمدد أو حماية الحدود وقد يحدث أن تدخل الإمبراطورية في معركة او حروب فتتعرض جيوشها للنكسة والهزيمة وتكون سببا” في زوالها وهذا ما حدث مع الإمبراطورية النمساوية أثناء الحرب العالمية الأولى، فالتعرض لهزيمة عسكرية قد يعرض الإمبراطورية للزوال والضمور نهائيا”.

ثانيا التفكك الداخلي

نموذج تاريخي قديم الحضارة او الإمبراطورية المغولية اكبر امبراطورية في كتلة قارية واحدة وثان اكبرها مساحة في التاريخ بعد الإمبراطورية البريطانية فبعد تعرضهم للهزيمة امام المماليك سنة ١٢٦٠ م وموت قوبلاي خان تفككت الإمبراطورية الى خانات تتقاتل فيما بينها وبقيت اخرها حت ١٣٣٤ تقريبا”

نموذج حديث الإتحاد السوفياتي الذي انهار عقب الحرب الباردة مع الولايات المتحدة بعد ان تفككت دوله ونالت استقلالها اواخر ١٩٩١

إن التفكك والصراع الداخلي عوامل رئيسية في بقاء واستمرار أي أمة او حضارة او قوة عظمى

ثالثا” التسليح وبناء القدرة العسكرية

التسليح واسع المدى، ودعم القواعد العسكرية المنتشرة في أنحاء العالم وكلفة امدادها ودعمها وحمايتها زمن السلم، والحفاظ على جيوش ضخمة قوية وأساطيل تلبي احتياجتهت زمن الحرب تحتاج لكلفة مادية ضخمة وتنفق الولايات المتحدة مايقارب ٥٩٦ بليون $ سنويا على الوحدات العسكرية مايارب ٤٪ من الناتج المحلي وهي المرتبة الأولى الميزانيات العسكرية بين الدول موزعة على نحو 800 قاعدة أمريكية رئيسية في أكثر من 70 دولة أو مستعمرة أو منطقة خارج الولايات المتحدة القارية. وفي عام 2021، تشير الإحصاءات إلى أنَّ الرقم انخفض إلى ما يقرب من 750 قاعدة. ومع ذلك، فقد زاد عدد الأماكن التي تحتوي على مثل هذه القواعد بالفعل في نفس تلك السنوات.

رابعا” التعدد السياسي والتاريخي والعرقي والديني والثقافي الكبير

عامل اخر يدخل في تحديد ديمومة واستمرارية أي قوة عظمى او امبراطورية وقدرتها على السيطرة وبسط النفوذ وكلما اتسعت رقعة سيطرتها الجغرافية كلما اتسعت رقعة التعدد العرقي وتوجهات المجتمعات المسيطر عليها واختلافاتها الدينية وتوجهاتها السياسية وهذه العوامل قد لا تخدم استقرار الإمبراطور وامبراطوريته خصوصا اذا كانت توجهات الشعوب في الدول التي تقع تحت الهيمنة للمقاومة ومنهاضة الإحتلال والاستعمار وتحررها

هذا التعدد يهدد الإمبراطورية في التوسع والسيطرة والإستقرار وقد يؤدي لنهايتها.

خامسا” التوسع الإستراتيجي المفرط

المتمثل في احتلال مناطق شاسعة والولوج في حروب باهظة الثمن ترهق الخزينة والقوات العسكرية في نفس الوقت وقد يكون التوسع مكلفا خصوصا اذا فاقت كلفة الإنفاق كلفة الفائدة المرجوة من هذا التوسع وهذه الحروب.

سادسا” الإمبراطور وتزاحم الإمبراطوريات

سبب اخر من اسباب ضمور وزوال الإمبراطورية هو وفرة الإمبراطورية التي تميل إلى اللحاق بأقرانها واستتباع ما دونها من الدول أو الإمبراطوريات طمعا في ثرواتها او خوفا من قوتها

والحرب العالمية الأولى خير دليل عن تلك الوفرة التي ألغت من التاريخ امبراطوريات وأدت لإبتلاعها وثبتت أخرى على رأس الهرم وفي صدارة الترتيب.

وتعتبر موهبة الإمبراطور السياسية وحنكته الإدارية احدى العوامل المؤثرة في صياغة القرارت المصيرية واستنباط مدلولات الأحداث والأبعاد السياسية والأخطار التي تهدده امبراطوريته وملكه ومعرفة مكامن الخطر المحدق بالعرش ومايهدد زواله

سابعا غياب العقلانية السياسية والإدارية ومؤسسات صياغة الاستراتيجية العظمى

إن الأسس والمبادئ التي تصاغ عليها استراتيجية أي دولة عظمى أو حضارة او امبراطورية تكون هي الدليل الفكري في قيادة النهج التوسعي ونشره خارج الحدود إن الأفكار والعوامل والأهداف والقييم المراد نشرها وارسائها بعد التوسع في الأقطار تحدد لاحقا” ثقافة وانتماء وتوجهات الدول الواقعة تحت السيطرة

لقد حملت الولايات المتحدة شعار حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية وبنت المؤسسات العاملة في خدمة هذا الإطار لقد سيطرت على الكثير من الدول وتدخلت في شؤونها تحت هذه الشعارات وقد دفعت ثمن تلك التدخلات غاليا خصوصا في الشرق الأوسط حيث غابت العقلانية السياسية وحلت مكانها سياسة العدوان والبيروقراطية الإدارية فكانت فصول تقهقر السياسية الأمريكية في الشرق الأوسط وآسيا الصغرى مربكة لصناع القرار هناك ومخيفة للدولة العميقة فيها.
إن استخدام سياسات خاطئة وعدم وجود مؤسسات تصنع وتصحح وتصوغ استراتيجية ملائمة للمتغيرات سيؤدي حتما لزوال وضمور الإمبراطورية

ثامنا” الإنسحابات المتتالية والمتكررة

يقول بايدن بعد الإنسحاب من أفغانستان
” فرضية أن الحكومة الأفغانية قادرة على الصمود بعد الإنسحاب الأمريكي كانت خاطئة”

اعتراف واضح وصريح عن تلك الصورة المذلة والمهينة التي ظهرت فيها الولايات المتحدة وعن الكارثة في سمعة وصورة امريكا

وماسبقها من انسحابات من فيتنام و العراق والصومال و اوزباكستان وطادجكستان والدول المجاورة لأفغانستان ولملمة القوات المتبعثرة هنا وهناك وقد غلفت الإنسحابات بشعار محاربة الصين

كيف لقوة عظمى تريد محاربة الصين فتتخلى عن صرة آسيا الوسطى وتنسحق وتنهزم في الشرق الأوسط

تاسعا التخلي عن الحلفاء عند تغير المصالح

لبنان ١٩٥٨ حيث دعمت الولايات المتحدة خصوم كميل شمعون اثناء اندلاع الاحتجاجات ضده بعد اعلان انضمامه لحلف بغداد

المفاوضات الإيرانية الامريكية ٢٠١٥~٢٠٢٢ في فينا حدث يقلق حلفاء أمريكا وعلى رأسهم العدو الصهيوني ودول الخليج من تداعيات نجاحها ومستقبل البلاد بعدها.
افغانستان ٢٠٢١ حيث تخلت الولايات المتحدة عن حلفائها في افغانستان وعن دعمها للحكومة بوجه حركة طالبان
صفقة الغواصات الفرنسيةالأوسترالية ٢٠٢١ التي وصفها الفرنسي طعنة في الظهر بعد ان الغت اوستراليا العقد المبرم لشراء ١٢ غواصة فرنسية سنة ٢٠١٦ وتحالفت مع الولايات المتحدة وبريطانيا.

اوكرانيا ٢٠٢٢ كيف ترك حلف الناتو ومن خلفه الولايات المتحدة اوكرانيا وتخلت بسرعة عنها بعد العملية العسكرية الأخيرة.

هذا التخلي إن لم يضر مباشرة لكنه سيكشف لحلفائها عن أن الأمريكي جاهز للتخلي عن أي شيئ لأجل مصالحه العليا وينظر لحلفائه كأدوات لا كأفرقاء.

عدة اسباب تجعل الولايات المتحدة كقوة عظمى او كإمبراطورية تتراجع رغم مجالها الديمغرافي والجغرافي المميز لكن هناك حقيقة مطلقة محكومة هي الإمبراطورية ان تموت وإلا لماذا يتراجع نفوذ امريكا وتنسحب من أواسط آسيا والشرق الأوسط؟ اليس جديرا بان مواجهة التمدد الروسي والصيني يسترعي الحفاظ على صرة آسيا الوسطى؟!
لقد بدأ الطوق الامريكي يتفكك عن الكوكب

 الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية 

المزيد من الأخبار
اترك تعليقا