KM
news

“جيب معك ورقة A4” – واقع صادم يعيشه الضمان وكركي يشرح الأسباب

على وقع الانهيار الاقتصادي الذي يفكّك أعمدة الدولة، ويُضعف صمودَها، تعيش المؤسّسات الرسمية بكل فروعها ودوائرها حالة تصدّع مخيفة.

مؤسّسة الضمان الاجتماعي ذات المكانة المميّزة في دولة المؤسّسات لا تُحسد على ما هي فيه اليوم، فحالها حال إدارات الدولة كافة. لكن هذه المؤسّسة تكاد تكون الوجهة الأكثر إقبالاً، والمكان الأكثر أهمية بالنسبة إلى المواطنين والمضمونين تحديداً، في بلد يفتقر إلى كلّ أشكال الضمان الصحيّ والمهنيّ والشيخوخة، بعكس ما كُتب في نصوص القوانين المُقرّة والموضَّبة في جواريرها.

مشكلة كبيرة يعانيها الضمان الاجتماعي اليوم انعكست سلباً على المضمون وأصحاب العمل على حدّ سواء. وفي التفاصيل، التي اطّلعت عليها “النهار”، تفتقد معظم فروع الضمان بجلاء فاضح إلى القرطاسية، وتحديداً أوراق الطباعة، و ما يُعرف بـ”وصل الدفع”، الذي يجب أن يستحصل عليه المكلّف عند تسديده الرّسوم المتوجّبة.

وفي الإطار، استقصت “النهار” حقيقة ما يجري من خلال بعض المواطنين ومخلّصي المعاملات في هذه المؤسسة، فكان الواقع مفاجئاً، حيث إن قساوة الأمر تصل إلى أن الموظّفين باتوا يطلبون من المضمون إحضار ورقة مقاسها A4 معه، ليطبعوا له المعاملة عليها.

أمّا معاملات صندوق الدّفع، فحدّث ولا حرج، إذ إن الكثير منها لا يُنجز بسبب فقدان أوراق “وصل الدفع” الواجب الحصول عليه لإثبات تسديده الرسوم المتوجّبة على المكلّف؛ وموظّفو الصندوق لا يقبلون رسوم التسديد لهذا السبب، ما يعني المزيد من الضعف في إيرادات صندوق الضمان.

في المقابل، يتأخّر المكلّف في تسديد الأموال التي تخضع لمهلة قانونيّة محدّدة، ما يرتّب عليه جزاءات مادية تصل إلى مبالغ كبيرة من دون وجه حقّ وبغير إرادته، فضلاً عمّا يُعانيه المواطنون خلال إنجاز معاملاتهم بسبب انقطاع التيار الكهربائي، وتفاقم المشكلات التقنية، وغياب الموظفين، حيث يُمكن أن ينتظر المضمون منذ ساعات الصباح الأولى وحتى آخر دوام العمل من دون أن يتمكّن من إنجاز معاملة واحدة.

أسئلة كثيرة تستدعي الاستعلام عن مسبَّبات كلّ هذا التخبّط في هذه المؤسّسة الشديدة الأهميّة، والمرتبطة بصحّة المواطن، في الوقت الذي لم يعد باستطاعة هذا المواطن تحمّل تكاليف طبابته الباهظة.

بالأرقام… كركي يشرح أسباب ما يجري في فروع الضمان
المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي محمد كركي شدّد على أن المشكلة اليوم تكمن في اعتمادات مؤسّسة الضمان غير المقرّة منذ العام 2018.

وبحسب كركي، فإن “الضمان اليوم يصرف على أساس اعتمادات العام 2018، فيما اعتمادات الأعوام 2019 و2020 و2021 ما زالت من دون إقرار مجلس إدارة الضمان حتى اليوم”.

ويُشير كركي بالأرقام إلى سبب هذا الانخفاض في قدرة المؤسّسة على الصّرف بالقول إنّ “اعتمادات الضمان للورق كانت تبلغ نحوَ 500 مليون ليرة سنوياً، لكنّها اليوم – وبعد هذه الأعوام – أصبحت حاجاتنا بحدود 5 أو 6 مليارات ليرة، فيما لا نزال نصرف تحت سقف نصف مليار، ما يدفعنا إلى التقنين وصولاً إلى انعدام القدرة على تأمين الأوراق، لأنه لا يُمكننا الصّرف خارج سقف الاعتمادات”.

ويرى كركي أنّه “لو أقرّ مجلس الإدارة سنوياً، وبشكل دوري، تلك الاعتمادات، لما وصلنا إلى هنا”، من دون الحديث عن أسباب عدم قدرة مجلس الإدارة على اتّخاذ القرار بشأنها وإقرارها لتأمين حسن سير المؤسّسة، عازياً الأمر إلى “صعوبة تأمين النّصاب دائماً لعدّة أسباب، منها سفر البعض أو جائحة كورونا… فيما إقرار الموازنات يحتاج إلى حضور ونقاش فعليّ”.

وأمام كلّ تلك العرقلة، مع ما يُضاف إليها من إعاقة إقرار المناقصات التي أقيمت لهذا الشأن، يقول كركي إنه “لا يمكن الصرف إلا بناء على الأموال المرصودة لموازنة 2018، وهي حالياً لا تكفي 15% من احتياجات الصندوق”.

أمّا الحل فيلخّصه بأمرين: إمّا فتح اعتمادات استثنائيّة إضافية على غرار ما حصل في مسألة تأمين المازوت، أو إقرار الموازنات بصورة فوريّة.

وحول مسألة الجزاءات التي قد تترتّب على المكلَّفين بسبب هذه المشكلات، يتحدّث كركي عن “وجود قانون الإعفاء من الغرامات وزيادات التأخير”، مشدّداً على “ضرورة ألا يتحمَّل المضمونون أو أصحاب العمل أيّ أموال إضافية لا يجب دفعها بسبب فقدان بعض الأمور اللوجيستية في الضمان، وبالتالي – حكماً – يجب أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار”.

لا ينفصل الواقع الاستشفائيّ للمضمونين عمّا يُواجهه الضمان الاجتماعي بسبب جنون سعر صرف الدولار وتأرجحه صعوداً ونزولاً.

وبدا واضحاً في الآونة الأخيرة وجود فجوة كبيرة بين أسعار الضمان وما تطلبه المستشفيات، بالنسبة إلى التغطيات الطبية، إذ أصبح المواطن يدفع 90% من الفاتورة فيما الضمان يغطّي 10% فقط، بسبب تفاوت سعر الدولار بين الضمان والسوق.

كركي أشار إلى أنّ “المشكلة الأساسيّة تكمن في أن “تعريفات الضمان مبنية على أساس سعر الدولار بـ1500 ليرة لبنانية، فيما سعر الدولار اليوم في السوق يبلغ 27 ألف ليرة”.

ويضيف: “علينا أن نتَّبع استراتيجية وزارة الصحة مثلاً، التي قامت بضرب القيمة الأساسية للتعريفات بـ3 مرّات ونصف لإحداث نوع من التوزان.

ونحن بحاجة لفعل ذلك من خلال ضرب الأرقام على الأقلّ بـ4 مرات حتى يأخذ المواطن والأطباء وكذلك المستشفيات حقهم في ظلّ عدم استقرار الليرة اللبنانية”.

ولفت إلى أن “هذا القرار يمكن أن يأخذه الضمان بعد تأمين التمويل اللازم. وهو بحاجة اليوم إلى نحو 3 آلاف و600 مليار ليرة لسدّ هذه الفجوة، بعدما كان الإنفاق السنويّ يبلغ ألفاً و200 مليار ليرة”، مشيراً إلى أنّهم وضعوا “عدّة اقتراحات بهذا الخصوص، وعلى المعنيّين اتخاذ القرار المناسب وتأمين التمويل لرفع التعريفات الاستشفائيّة والطبيّة والدوائيّة”.

 الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية 

المزيد من الأخبار