KM
news

لهذه الأسباب .. لبنان لا يثور

هل نعاني في لبنان من إنتاج مخرجات تعليم عاجزة عن خلق تغيير إيجابي أو حراك أو ثورة؟ هل السّبب في مؤسسات الإنتاج الثقافي التي تعيد ذاتها من أجل ترسيخ وتثبيت أيديولوجياتها.

تكمن معضلة الواقع اللبناني في مقاربة تشبيك كمٍّ من متغيرات الحقول السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، إذ لا يمكن بمكان تناول فاعلية متغيّر من دون ارتباطه بالمتغيرات الأخرى.

هذا التشبيك محصلته أوضاع وقرارات اقتصادية أنتجت مشكلات وانعكاسات بأبعادها، وفرضت واقعاً يصعب تجاوزه، جديد بآلياته، قديم بمنطلقاته، وهو الواقع الذي تماشى مع تزايد مظاهر الأزمة الاجتماعية وتفاقم حدتها، إذ أصبحت التحديات الكبيرة تتجسد في سبل التصدي والحلول والاستمرار.

كل ما سبق يضعنا أمام سؤال جوهري، وأمام إشكالية تطرح أسباب خنوع وعدم تحرك أو لنقل ثورة الشعب اللبناني إزاء ما يعانيه، وهو تساؤل جوهري في ظل مسار التحولات التي أصابت المفاهيم والآليات، وأدخلت معها لبنان في التجاذب المفاهيمي المنقسم بين الحقوق والواجبات والمسؤوليات في مقتضيات تقرير الحياة والمصير!

تتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة لا متناهية تستدعي دراسات كمية وكيفية لا تحصى، إنما في عرضنا سنتناول طرح بضعة تساؤلات وربط تحليلات قد تساهم في فتح أفق التحليل والنقد، بعيداً عن “الغيتوات الفكرية” و”القوالب التفكيرية”.

التساؤل الأول: هل سلبت إرادة الشعب، وانعدمت القدرة على التأثر بالعقلانية والمنطق والأدلة؟ إنها سمات، وليست نواقص في النظام المجتمعي، بل قد تكون سمات تتشعب نحو العديد من الأنظمة الاجتماعية، فيغدو لا مكان للمختلف إلا بخلاف، حيث المجموعات المختلفة حين تحاول طرح دليل عقلاني تنتشر روح الانفصال عن المجموعة، وتسرع المجموعة المنفصلة بدورها إلى كينونتها التي ترى فيها هويتها الآمنة المختلفة!

إذاً، هل نواقص الانتماء الواحد (هوية مشتركة) أو وجود مرجعية موحدة قوة دافعة لعدم التحرك؟

التساؤل الثاني: على مستوى “الميكرو”، يعد السلوك الإنساني غاية في التشبيك، بمعنى أنه تتداخل فيه وفي نشأته وتتشابك مجموعة كبيرة من الأسباب المتداخلة، إلا أن محركيه الأساسيين هما التنشئة الاجتماعية والحالة الذهنية!
ما ينطبق على الجزء قد ينطبق على الكل، هنا يبرز الجدال الأكبر على مستويين:

المستوى الأول هو التنشئة الاجتماعية. سنتطرق في هذا المضمار إلى متغير ثابت هو “الإنتاج الثقافي”، وبالتحديد التعلم والتعليم، وربطه بمتغير متحرك “مخرجات التعليم”.

إنّ التعليم الحقيقي هو العلم النقدي التحليلي التحرري القادر على قول “لا”، وعلى خلق ثورة وعي… وأيضاً تحويل النظريات والمفاهيم إلى واقع أو تطويرها واستخدامها للإبداع في أفكار ومخرجات فكرية ذات إفادة، بعيدة عن نمطية الإسقاط الفكري من دون نقد!

هل نعاني في لبنان من إنتاج مخرجات تعليم عاجزة عن خلق تغيير إيجابي أو حراك أو ثورة؟ هل السّبب في مؤسسات الإنتاج الثقافي التي تعيد ذاتها من أجل ترسيخ وتثبيت أيديولوجياتها أو المشكلة في أنماط معلمين وأساتذة اعتادوا التلقين، فكانت الإنتاجية مخرجات تعليم مكررة من دون نقد، ومن دون رفض، وبالتالي أنماط سلوكية تتحدد وتتسلل بصورة واحدة من جيل إلى آخر… وبمكان تابعة لأنماط فوقية على المستوى الماكرو لها أهدافها!

على المستوى الثاني: الحالة الذهنية والتركيز. تشير الدراسات على المستوى الميكرو نسبياً إلى أن الفرد حين يكون شديد التركيز بمكان ما على أمر معين وبشدة، فلن ينتبه إلى ما يحدث حوله من بعض التفاصيل أو الأمور الأخرى، إلا أن غاية التركيز بحالات الإلهاء الشديد يمكن تحقيقها ببلورة أسس شخصية قادرة على السيطرة والمقاومة والانتباه، وعلى التفكير المنفتح القادر على الإحاطة بعدة وجهات نظر إلى موضوع واحد.

أضف أن الحالة الذهنية والعقل البشري كلّ ما يراه في يومه وحياته عبارة عن مدخلات أشبه بمواد أولية تجتاح التفكير/العقل، وتخرج على صيغة “مخرجات” وأفكار وقرارات وآراء، فما هي مدخلات العقول في لبنان؟

مشاكل حياة يومية تبدأ بالكهرباء وحسب، أين تنتهي؟ تلوث؟ أزمات؟ فوضى؟ إعلام بغالبيته حشو وصور سوداوية. وسائل إعلام حديث قادرة على برمجة عقول إلى درجة أن الفرد نفسه لن يعي ذلك؟ هل الحل في رفع مستوى التركيز الجمعي والتركيز على حلول المعاناة؟ هل القرار لمن يملك القرار؟

التساؤل الثالث: على المستوى الميكرو. يشير بعض علماء النفس إلى أن الفرد حين يتعرض لصدمة نفسية، قد تصاب ذاكرته ببعض النسيان والجمود الفكري أو الاضطراب السلوكي. ومن السلوكيات الناتجة من ذلك، هو “الهروب” أو “المواجهة” أو ” التجمد”.

ولتوضيح ذلك، أشاروا إلى أن الأفراد في وقت الخطر أو الصدمة تتوقف لديهم ذاكرة تخزين الأحداث، ويصبح لدى الفرد صعوبة في جمع البراهين والربط الدقيق للأمور. وقد يستمرّ ذلك لفترة من الزمن وينتهي إلا إذا تعرض لصدمات متتالية (هذا ما يحدث بلبنان).

وفق هذه الرؤية، هل يمكن تطبيق ذلك على الذاكرة الجماعية والنفسية العامة للشعب اللبناني، مع أهمية تأكيد التفاوت النسبي بين فرد وآخر؟ فقد تعرض الشعب اللبناني، وما زال، لصدمات متتالية، بدءاً من الحرائق، وثورة 17 تشرين، إلى كورونا، وانفجار “بيروت”، و”جنون المصارف”… مع التنويه بالحماس الذي أعلنته ثورة 17 تشرين، وكانت نتيجته لدى الكثير الشعور بالإحباط وعدم إمكانية التغيير، ما أدى إلى الإحساس بالخذلان والشعور بعدم القدرة على التغيير.

في ظل هذه المؤشرات، فإن النتائج على مستوى السلوك العام قد تكون خدراً كاملاً، واكتئاباً، وذاكرة مبعثرة، وإحساساً بالذنب أو حتى بكاء…

نستنتج أنَّ الصدمات تترك أثراً. ومن هذا المبدأ، ننطلق إلى تفسير ما إذا كانت الهجرة من أجل العمل والبحث عن لقمة عيش أو أنها فرار وهروب وخوف من المواجهة؟ وهل سكوت الشعب “تجمداً” يحتاج إلى إفاقة وطنية حقيقية تعيد الأمور إلى أنسنتها؟!

التساؤل الرابع: في سياق التساؤلات، هل فهم القوى التي تحرك الحياة السياسية وتشكل انعكاساتها على بنية الشعب هما الخطوة الأساسية لفهم عجز الشعب عن الحراك، وعدم قدرته على فهم المخزون التاريخي لأداء النظام السياسي.. فتقادمت الذاكرة الشعبية كذاكرة القلب المغناطيسي، لحياة وطنية قائمة على أسس أنظمة عتيقة وقديمة وعاجزة عن صوغ مصطلحات جديدة تعكس حياتها الراهنة وتحاكي مستقبلها!

التساؤل الخامس: هل تحددت إدراكية الشعب؟ بحيث بات الإدراك الفردي في أعمق مستويات المحدودية، وكأن الأفراد برامج إدراكية تنظمت وتبرمجت على شكل آلات تلقين تعبوي، تجعل الحالة الإدراكية في درجة منخفضة للهوية الذاتية القادرة على كسر حواجز التفكير وابتكار إدراك قادر على التغيير!

التساؤل السادس: هل تم وضع لبنان بأرضه وشعبه تحت مخطط أكبر من قدرات شعب؟ فمن معايير الحرب النفسية للسيطرة لجر أي دولة نحو مآرب معينة هو اتباع 5 خطوات رئيسة: إحباط معنويات الشعب، وتهديد النظام التعليمي، وزعزعة الاستقرار وخلق أزمة اقتصادية، وتوتير العلاقات الخارجية، وتجريده من قدرة المواجهة أو المقاومة!

في ضوء كل ما سبق طرحه من تساؤلات، نؤكد أن الطريق ليست مسدودة، فلبنان غني بعكس ما توحي المظاهر السطحية. لبنان يملك الأرض والبشر والماء والسماء. يملك الكثير من الموارد، وأهمها المورد البشري، وهي الثروة الرئيسية. هذه الثروات تحتاج إلى قرارات. القرارات تفرض خيارات، والخيارات تفرض أولويات. وحين تكون الأولويات وطناً، تكون أبواب الخلاص، وتكون الأقفال موصدة في وجه أي مؤامرات!

نتيجة لذلك، ومهما حدث وتم الانتقاص أو الانتقاد، هناك حقيقة علينا تأكيدها بأنَّ ما حدث في لبنان حتى الآن، لو حدث أقلّه في أي بلد آخر، لرأيت سريعاً أشباهاً إنسانية تجتاحها الجريمة والقتل واجتياح المنازل، والنماذج بهذا الصدد كثيرة، ويمكن الاستشهاد بالكثير منها!

ما زلنا مع كلِّ ما حدث في لبنان نرى يد العون والمساعدة والتماسك الاجتماعي ممتدة في العديد من المناطق. لعلَّ أكثر ما نريده لهذا الشعب الطيب الذي يستحقّ الحياة هو تعميق الوعي ونقد الممارسات الماضية على كل المستويات، كخطوة أولى نحو الإصلاح؛ نقد مبني على حب الآخر، نقد تقويمي علاجي، وليس إلغائياً لأحد!

فلنحاكم القول، ولتكن نهضة عقول وفكر وإدراك!

 الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية 

المزيد من الأخبار