KM
news

شبح التضخم يخيم على أميركا – هل تتجاوز إدارة بايدن محنتها الاقتصادية؟

زهراء عياد - الميادين

التضخم الإقتصادي أصبح جرس إنذارٍ يدوي في جميع الولايات الأمريكية مهدداً بذلك أكبر اقتصادٍ في العالم، في وقتٍ تجهد فيه دول العالم كافة من استعادة أنشطتها الاقتصادية حول العالم وإبقاء نسب التضخم منخفضة.

تشهد الولايات المتحدة الأميركية ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات التضخم التي وصلت إلى 6.2%، لتكون بذلك الأعلى منذ 30 عاماً. وهو ما يثير كثيراً من القلق لدى الأميركيين. ويشكل تحدياً اقتصادياً لإدارة جو بايدن، التي تعاني من ملفات داخلية وخارجية.

بحسب الخبراء، يعتبر هذا الارتفاع في التضخم أعلى معدل تضخم سنوي في أميركا منذ تشرين الثاني/نوفمبر 1990.

كما خلصوا إلى أن مؤشرات التضخم ستكون في ارتفاعٍ مستمر، ولا توجد أي مؤشرات على انخفاضها، وهو ما يعني أن التضخم سوف يستمر ويتفاقم في المستقبل.

جاءت قفزة التضخم الأخيرة مترافقة مع انخفاض الدخل الشخصي بنسبة 1% في أيلول/سبتمبر الفائت، أي أكثر من الانخفاض المتوقع عند 0.4%، فيما ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.6%، تماشياً مع تقدير السوق. في حين تم دفع معدل التضخم العام من خلال زيادة بنسبة 24.9% في تكاليف الطاقة و4.1% في أسعار المواد الغذائية، وارتفعت أسعار السلع بنسبة 5.9%.

بحسب مؤشر أسعار المستهلكين الذي نشرته وزارة العمل الأميركية الأربعاء، فقد بلغت نسبة ارتفاع الأسعار 0.9% الشهر الماضي، مقابل 0.4% في أيلول/سبتمبر، فيما كان المحللون يتوقعون 0.6% لشهر تشرين الأول/أكتوبر.
ومؤشر أسعار المستهلكين يشير إلى معدل التضخم (أي معدل التغير في الأسعار) من وجهة نظر المستهلكين عندما يشترون السلع والخدمات.

ويعتبر من أكثر المؤشرات التي يراقبها تجار العملة، ويعد مؤشراً أساسياً لتحديد التضحم المالي واتجاهات الشراء في المجتمع الأميركي.

يذكر أن، زيادة الأسعار هذه معمّمة على جميع القطاعات، ولو أنها أكثر حدة في مجال الطاقة والسكن والذهب والمواد الغذائية والسيارات والشاحنات المستعملة والجديدة.

وبحسب ما جاء في موقع “سي ان ان” فإن الارتفاع الحالي في أسعار النفط هو بسبب نقص الغاز قبل شتاء بارد، حيث تضغط الولايات المتحدة على “أوبك+” لزيادة إنتاجها الشهري بمقدار 600-800 ألف برميل يومياً، من الارتفاع الحالي البالغ 400 ألف برميل يومياً.

أسباب التضخم

تتعدد الأسباب التي أدت إلى الارتفاع الحالي في التضخم في الولايات المتحدة، والذي حيّر الخبراء الاقتصاديين في أميركا، وجاء النتائج بعكس المتوقع، وبعكس ما تشتهي إدارة جو بايدن التي وعدت بتحسين الأوضاع والتصدي لتداعيات انتشاء وباء كورونا، وكان العديد من الخبراء ورجال الأعمال حذروا منذ وقت مبكر من مخاطر التضخم على الاقتصاد، فما هي الأسباب الأساسية وراء هذا التضخم الفريد من نوعه في تاريخ أميركا؟

أزمة طاقة عالمية تلقي بظلالها على أكبر الاقتصادات

في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي توقعت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري أن تؤدي أزمة الطاقة العالمية إلى الزيادة في الطلب على النفط بمعدل نصف برميل يومياً، واعتبرت حينها أن ذلك سيؤدي لزيادة التضخم وإبطاء التعافي العالمي بعد انتشار كورونا.

ويشير الارتفاع الحاصل في أسعار الغاز والفحم والنفط وما يستتبعه من انقطاع في التيار الكهربائي وتراجع الاعتماد على وسائل النقل، يشير إلى انخفاض النشاط الصناعي وتباطؤ التعافي.

هذا الواقع العالمي حالياً، والذي يتجلى بقوة في أوروبا مع بداية أزمة الغاز المترافقة مع الشتاء البارد، والعودة إلى الإغلاقات في عدد من البلدان، ولكنه أيضاً يطال بتبعاته الولايات المتحدة، حيث قالت صحيفة “فورين بوليسي” الأميركية إن أزمة طاقة بدأت تهدد أميركا، “فأسعار الوقود آخذة في الارتفاع، ونقص الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التدفئة والكهرباء مع اقتراب فصل الشتاء”.

وتابعت الصحيفة “توسلت إدارة بايدن منظمة أوبك لضخ المزيد من النفط وروسيا لزيادة إمدادات الغاز إلى أوروبا”.
هذه الزيادة في أسعار الطاقة عالمياً، وفشل الولايات المتحدة في خلق مشاريع طاقة متجددة بالسرعة الكافية، يجعلها تتأثر بارتفاع الأسعار، وبالتالي تباطؤ التعافي وضرب خططها المستقبلية، ما سبب التضخم الحالي، وينذر في حال استمراره بتضخم أكبر يهدد أكبر اقتصاد عالمي.

شركات قليلة تتحكم بأسعار السوق

يعتبر بعض الخبراء، أن هناك سبباً بنيوياً أعمق للتضخم ويبدو أنه يزداد سوءاً كل يوم، وهو حصر الاقتصاد الأميركي في أيدي عدد قليل نسبياً من الشركات العملاقة التي لديها القدرة على رفع الأسعار وخفضها، ما يعني أن هذه الشركات القليلة قادرة على التحكم بالسوق العالمي. وهذه الشركات ترفع الأسعار على الرغم من أنها تجني أرباحاً قياسية.

في هذا السياق،يعتبر العالم الاقتصادي روبرت رايخ في مقال له نشرته صحيفة الغارديان، أن المشكلة الأساسية ليست التضخم في حد ذاته بل نقص المنافسة في السوق لأن هذه الشركات القليلة العملاقة تقف خلف حجة التضخم لرفع الأسعار وتحقيق أرباح أكبر .

أعطى روبرت مثالاً على كلامه، في شهر نيسان/أبريل أعلنت شركة Procter & Gamble أنها ستبدأ في فرض المزيد من الرسوم على السلع الأساسية الإستهلاكية التي تتراوح من الحفاضات إلى ورق التواليت، مشيرةً إلى أن “تكاليف المواد الخام التي تستخدمها، ونفقات نقل البضائع ارتفعت”. في حين تشير الدراسات، إلى أن هذه الشركة تحقق أرباحاً ضخمة خاصةً في نهاية شهر أيلول/سبتمبر، حيث أنها سجلت هامش ربحٍ ضخم بنسبة 24.7%، حتى أنها أنفقت 3 مليار دولار خلال هذا الشهر لشراء أسهمٍ خاصة لها.

الخلاف حول رفع سقف الدين العام

في سياقٍ متصل، يعتبر سقف الدين الأميركي اليوم من أكبر المشاكل الاقتصادية التي تهدد الاقتصاد. حيث حذّرت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين، يوم الثلاثاء، من أنّ الولايات المتّحدة قد تبلغ في 15 كانون الأول/ديسمبر مجدّداً سقف الدين العام بعدما رفعه الكونغرس مؤقتاً في تشرين الأول/أكتوبر لتجنب أكبر قوة اقتصادية في العالم خطر التخلّف عن السداد.

بدوره، حذر تقرير لمجلس المستشارين الاقتصاديين للبيت الأبيض نشر، الشهر الماضي، من أن تخلف الولايات المتحدة عن سداد التزامتها في حال فشل المشرعين في التوصل إلى اتفاق “سيوجه ضربة مدمرة ستشعر بها العائلات والشركات والاقتصاد الأميركي والعالمي لعقود قادمة”.

وقالت الوزيرة في رسالة إلى زعماء الكونغرس الديمقراطيين والجمهوريين “وفقاً لسيناريوهات محدّدة، فإنّ الخزينة ستجد نفسها مع موارد غير كافية للاستمرار في تمويل عمليات الحكومة الأميركية بعد 15 كانون الأول/ديسمبر”.

ويعني عدم التوصل إلى اتفاق جديد بين الديمقراطيين والجمهوريين على رفع سقف الدين منتصف الشهر القادم، عدم قدرة الولايات المتحدة على السداد، ما يسبب تخفيض تصنيفها الائتماني، وهو ما ينعكس سلباً على الاقتصاد والأسعار وزيادة التضخم بصورة تلقائية.

خطة بايدن “التاريخية” للإنفاق الاجتماعي

كشف الرئيس الأميركي جو بايدن، الشهر الفائت، الإطار الجديد لخطته “التاريخية” للإنفاق الاجتماعي والبيئي، وأكد على ثقتة الكاملة بأن كل تيارات الحزب الديمقراطي ستدعم هذه الخطة.

وفي تغريدة، عبر حسابه في تويتر، أكَّد بايدن أنّ “إطار إعادة البناء الأفضل سيضع الولايات المتحدة في المسار الصحيح من أجل تحقيق أهدافنا المناخية، وخلق الملايين من الوظائف ذات الأجور الجيدة، وتنمية اقتصادنا من الأسفل إلى الأعلى، ومن المنتصف”. مضيفاً “سيتم دفع ثمنها بالكامل من خلال مطالبة الشركات والأثرياء بمكافأة العمل، وليس الثروة”.

بعد إعلان بايدن عن هذه الخطة، هزّت معركة داخلية شرسة بين الديمقراطيين، الجدولَ الزمني لتبني الكونغرس الأميركي خطتي الاستثمار العملاقتين، واللتين وضعهما جو بايدن، بشأن البنى التحتية والإنفاق الاجتماعي، وتصل قيمتهما إلى ما يقارب 5000 مليار دولار. وكان الخلاف بشأن الأولوية التي يجب إعطاؤها لمشروع أو لآخر من المشاريع الاستثمارية في جدول التصويت.

وبعد عدّة سِجالات، أقرّ الكونغرس الأميركي بصورة نهائية في مطلع هذا الشهر خطة استثمارية ضخمة بقيمة 1.2 تريليون دولار طرحها الرئيس جو بايدن. لكنّ هذا الانتصار الكبير لبايدن، لا يزال ناقصاً لأنّ مجلس النواب لم يقرّ بعد خطة أخرى ضخمة طرحها الرئيس للاستثمار في المجالين الاجتماعي والمناخي.

وكان إقرار مشروع القانون بحاجة إلى 218 صوتاً لتمرير هذه الخطة الضخمة لتحديث الطرق والجسور وتطوير الإنترنت الفائق السرعة، والتي تعتبر إحدى أكثر الخطط الاستثمارية طموحاً في التاريخ الأميركي الحديث.

فيروس كورونا يؤثر على الإقتصاد الأميركي

منذ بداية أزمة فيروس كورونا، أشارت الدراسات الأميركية إلى أن أكثر من 26 مليون شخص في الولايات المتحدة تقدّموا بطلبات للاستفادة من إعانات البطالة، وشهدت الولايات المتحدة انخفاضاً تاريخياً في دورة الأعمال وفي ثقة المستهلك.

بدوره، وصف مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في مؤسسة “موديز” أن هذا الأمر “غير المسبوق” والانكماش الذي يعاني منه الاقتصاد الأميركي هو جزء من التباطؤ الاقتصادي العالمي نتيجة انتشار فيروس كورونا .

وقبل أن تطيح جائحة فيروس كورونا بالإقتصاد العالمي ، كان من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الأميركي بنحو 2% في عام 2020. ولكن بحلول منتصف شهر نيسان/أبريل 2020، دخل 95% من البلاد في حالة الإغلاق بدرجات مختلفة.

لقد أثّرت الإغلاقات العامة الناجمة عن جائحة كورونا تأثيراً كبيراً على منشآت الأعمال والوظائف. حيث اضطر العديد من العاملين في كافة القطاعات في أميركا الى ترك وظائفهم بسبب الجائحة.

وأشارت البيانات أن مبيعات الشركات قد هبطت بمقدار النصف بسبب الأزمة، الأمر الذي اضطر الشركات إلى تقليص ساعات العمل والأجور، ومعظم منشآت الأعمال تسعى جاهدةً للحصول على دعم مالي عام. وبالتالي فإن أرتفاع نسب البطالة في أميركا يؤدي الى انخفاض الانتاجية وتراجع النمو مما يسبب تضخم مالي في البلاد.

في الختام، يرى الكاتب هنري أولسون، في المقال الذي نشرته صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية في 15 تشرين الأول/أكتوبر أن مشكلة التضخم الحالية تضرب أنحاء العالم كافة، وليس الاقتصاد الأميركي فقط، ويعتبر أن هذه المسألة تدعو إلى مزيد من القلق.

وأضاف تايلر كوين، الخبير الاقتصادي في جامعة جورج ميسون “إننا نواجه تحديات جديدة وغير مسبوقة، ولا يمكننا النظر إلى البيانات السابقة للتعرف على كيفية المعالجة”.

 الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية 

المزيد من الأخبار
اترك تعليقا