KM
news

العويط : لماذا؟

عقل العويط

لماذا يتقاتل ولدان أمام مكبٍّ للزبالة في الحيّ حيث أقيم، ثمّ يتدخّل ثالثٌ لفضّ الخلاف، فيكبر المشكل بين الثلاثة، ويعلو الضجيج والصخب، ويشتدّ التضارب بالأيدي، ويتجمّع عابرو السبيل لاستطلاع الخبر، ويطلّ الجيران من الشرفات للفرجة، ويأتي صِبيانٌ من أزقّةٍ وشوارع أخرى لتهدئة الخواطر التي لا تهدأ؟

كلّ ما أعرفه بالرؤية والاستنتاج أنّ سبب المشكل هو كيسٌ من أكياس النفايات، دون سواه، يُنتظَر وصوله إلى المكبّ كلّ يومٍ على أحرّ من الجمر. ما إنْ يطلّ الناطور الذي يحمل الكيس، بل أكثر من كيس، آتيًا من إحدى البنايات المجاورة، حتّى تهلّ وجوه صِبية المكبّ، وتبرق عيونهم، وتشعّ، فيهرعون متدافعين للانقضاض على الكيس، على أمل أنْ يستفرد أحد منهم بالغنيمة فتكون من نصيبه.

“الغنيمة”، على ما علمتُ بعد الاستفسار، هي فضلات وليمةٍ معتادةٍ ومتّفقٍ عليها، تقام أسبوعيًا (بل يوميًّا، 7 ع 7) في شقّةٍ دوبلكس في بنايةٍ فخمةٍ قريبة، لائحةُ الطعام فيها، وروائحها الزكيّة، تثير الشهيّة، وتفتح خياشيمها، وتستحقّ القتال والمنازلة.

لا أعتقد أنّ هؤلاء الصِبية هم وحدهم الذين يتحرّقون للحصول على غنيمةٍ كهذه. كثرٌ من اللبنانيّين، بل أكثر من خمسين إلى ستّين إلى سبعين في المئة منهم، باتوا تحت عتبة الفقر، وهم في غالبيّتهم من بقايا الطبقة المتوسّطة التي آلت إلى الانقراض، بهمّة عصابات السياسة والحكم والسلطة والإرهاب والاستبداد والاحتلال والوصاية والفساد والنهب والرشوة والسرقة والانحطاط وانعدام الأخلاق.

أكثر ما يؤلمني في المشهد النفاياتيّ الآنف ذكره، الذي تشهد مثله الأحياء والشوارع في المدن والضواحي والقرى، يوميًّا، أنّه يعكس الأحوال المعيشيّة الخطيرة للغاية التي تنذر بالآفات والجرائم وحالات الفوضى والانفلات والتفلّت والسلبطة والمآسي والفواجع. وإذا كانت أحوالٌ كهذه تنذر بالثورات الملهمة التي تقوّض أسس الجور والظلم والعهر والقرصنة والعربدة و(الشرمطة) في بلدان الاستبداد والديكتاتوريّة، وتزجّ بالمجرمين في السجون، أو تعلّقهم على أعواد المشانق، فإنّها – أي هذه الأحوال – تفضي عندنا إلى رفع المجرمين والقتلة والفاسدين والمارقين والسرّاق إلى سدرات منتهى السلطات والمسؤوليّات السياسيّة والرئاسيّة والحكوميّة والنيابيّة، وهلمّ.

على سيرة صِبية المكبّات والنفايات، أسرّت إليَّ جارةٌ هي دكتورةٌ وأستاذةٌ جامعيّةٌ مرموقة، أنّه لن يكون في مقدورها بعد الآن تسديد فاتورة المازوت في البناية، البالغة مئة وخمسين دولارًا في الشهر (بالعملة الخضراء)، فضلًا عن النفقات الأخرى التي تبلغ نحوًا من مليوني ليرة لبنانيّة كلّ شهر. وقالت لي إنّ راتبها الجامعيّ يبلغ نحوًا من أربعة ملايين ليرة ونصف المليون، فكيف – إذا سدّدتْ نفقات الكهرباء والناطور والصيانة – تشتري الخبز والطعام؟

أيجب، أنا نفسي، أنْ أكابر، فأتفادى الإسرار والاعتراف للجارة، بأنّي لن أستطيع تسديد النفقات المذكورة أعلاه؟

إذا كان عُرِف سببُ القتال اليوميّ بين صِبية المكبّ في الحيّ، فأيّ سببٍ يحول دون استذكار ما قاله عليّ بن أبي طالب “ما جاع فقيرٌ إلّا بما مُتِّع به غنيّ” (أو حاكم أو رئيس أو مسؤول)؟ ولماذا نحن صرنا فقراء وجائعين؟ أليس لأنّ هؤلاء الأغنياء (بل الحكّام) يمتّعون أنفسهم بسرقة أرزاقنا الحلال، على عينك يا تاجر، وليس – في المقابل – من ثورةٍ ولا ثوّار؟

 الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية 

المزيد من الأخبار
اترك تعليقا