KM
news

أأزمة حكومة وحكم أم زبالة ونفايات ؟

في الحيّ حيث أسكن، تستولي النفايات على الشوارع والأرصفة. ولا بدّ أنْ تكون تستولي على نواحي الجمهوريّة غير السعيدة برمّتها.

لن أُفاضِل بين زبالةٍ وأخرى. هذه رائحتها (وطعمتُها) منتنة، وتلك رائحتها (وطعمتُها) منتنة. هذه مجلبةٌ للفئران والجرذان والصراصير والحشرات والبرغش والأمراض، وتلك لا تقلّ عنها مجلبةً وأهمّيّةً. بل ربّما تبزّها، وتتفوّق عليها، باعتبارها زبالةً معترفًا بها، “ذكيّة” و”رسميّة”.

لن أُفصِح لئلّا أُضعِف المعنى، علمًا أنّ المعنى ليس في قلب الشاعر، بل أمام الناس، على الطريق والأرصفة، وفي القصور والسرايات والأماكن الأخرى. ولا استثناء.

أمّا لبُّ المعنى فـ”على عينكَ يا تاجر”، وليس ثمّة ما يستوجب أنْ يُحجَب ويُخفى.

لكنّ الناس يحبّون الوضوح والشروح والتفاصيل، و”شو بتقصد؟”، و”مين؟”. وهذا حقّهم. من جهتي، لا أقصد شيئًا ولا أحدًا. إنّما فقط الزبالة، علمًا أنّ الأعمال (والمقاصد) بالنيّات. والجميع يعرف أنّ النيّة (والمقاصد) صافية، وخصوصًا حيال الزبالة الأخرى، التي هي أمّ الزبالات، وأبوها.

يُضحكني الذين يتعجّبون ممّا يجري على صعيد سقوط الدولة والعهد والحكم والمجلس والحكومة. ليس ثمّة ما يدعو إلى التعجّب.

فالزبالة تقيم في كلّ موضعٍ وقضيّةٍ ومكان، فكيف لا تكون في مسألة الدستور وعشوائيّة تطبيقه الاستنسابيّة، وفي جوهر الطبقة السياسيّة، وطبيعة الأحزاب، ومفهوم السلطة، ومنطق التأليف، وعربدة الشروط التعجيزيّة والزيارات المكّوكيّة، وخصوصًا ما يتسرّب من أخبار وروايات و”تشكيلات” وأسماء وحصص وإسقاطات وتسقيطات، لهذه النتانة أو تلك. فضلًا عن مواهب السلاح غير الرسمي، ومفاعيل الوصايات الإقليميّة والتدخلّات الدوليّة.

عجيب أنّ الناس يتعجّبون. لا تتعجّبوا. لا تتعجّبوا. بل استبشروا لأن العجب العجاب لم تدقّ ساعته، بعد. فالانهيار لم يصل إلى قعر القعر، والزبالة لا تنتج إلّا الزبالة. وما حدا فرقانة معو الإنقاذ ووقف الانهيار، ولا طبعًا الإصلاح والتغيير، ولا شو عم يصير “ع الأرض”.

أقصد: أحوال الناس، من يأسٍ وتيئيس، وذلٍّ وإذلال، وفقرٍ وإفقار، وجوعٍ وتجويع، ومرضٍ وإمراض، وخوفٍ وتخويف على المصير.

ما حدا فرقانة معو.

علمًا أنّ المسؤولين السياسيّين، وسكّان الطبقة الحاكمة، والأطراف، والأحزاب، والتيّارات، والميليشيات، على يقينٍ مطلق من أنّ لا أحد، ولا شيء، يستطيع أنْ يرفع الزبالة، أي انْ ينزع شعرةً واحدةً من رؤوسهم، ولو سُكِّرت الطرق، وأُقفِلت المداخل والمخارج، واندلعت الثورات والتظاهرات والإضرابات والعصيانات المدنيّة وغير المدنيّة، في كلّ الأنحاء، وعلى كلّ المستويات.

“عَ إجر” الطبقة السياسيّة، “ما حدا معلّق”. لا مصير البلاد، ولا مصير العباد. فافهموها جيّدًا أيّها الناس. ومَن لا يريد أنْ يفهم، فليبلّط البحر والبرّ والجوّ. ومعها، فليبلّط الشمال والجنوب. والجبل والعاصمة.

والبقاع وطرابلس وعكّار. وخصوصًا إذا كان السلاح هو ربّان السفينة، وهو البوصلة، وهو المرشد والموجِّه.

وخصوصًا إذا كان رئيس الجمهوريّة هو مَن هو، ديغول زمانه (أنا فلان الفلانيّ)، وإذا كان الكلّ يعرف تاريخه المجيد، المكتوب والمسجّل والموثَّق. وأيضًا إذا كان رئيس المجلس ميزان الذهب، رئيسًا أبديًّا للتشريع والرقابة والتنمية والتحرير.

وإذا كان رئيس الوزراء صافيًا مثل عين الديك، مدوزِنًا الأمور، مدوِّرًا الزوايا، فارزًا النفايات، مقطّشًا القرّيعة، لا يقول إلّا الصدق، وفعائله تسبقه إلى كلّ مكان، وهي غمرت بالفعل مسقط رأسه، وشعبها الصابر، بالخير والبركة والبحبوحة وراحة البال.

النظام القائم محكم، والأمور مبكّلة، ويا جبل السلطة ما يهزّك ريح. وإنْ بلغ سعر صرف الدولار ثلاثين ألف ليرة أو أربعين ألفًا أو مئة ألف. وإنْ تألّفت الحكومة أم لم تتألّف.

لن يرفّ لأهل الكيد والغلبة والمحاصصة جفن، ولن يتراجع أحدٌ لرفع برميلٍ من الزبالة. فالزبالة في كلّ مكان. وهي فوق وتحت. وستظلّ في كلّ مكان، ولن تخضع لأيّ تدوير، من أيّ نوعٍ وشكل.

اللبنانيّ “نَسّاء” (نَسَّى)، أي كثير النسيان، قصدًا أو عفوًا. لكنْ مَن لا يتذكّر زياد رحباني، الذي كتب (بطريقة تحشيشيّة بتجنّن) عن الحالة، وعن الأحوال، ومَسْرَحَ كلّ شيء، وغنّى كلّ شيء.

وتنبّأ بأن البنزين سينقطع “بها اليومين”، والخبز “بها اليومين”، وكان جزم بانقطاع دابر الكرامة والشرف والقيم والمعايير.

المفارقة الوحيدة ربّما، أنّ زياد رحباني قد لا يكون أتى على ذكر (انقطاع) الزبالة. لأنّه يعرف – ولا بدّ أنْ يكون الجميع يعرف – أنّ الزبالة هي أصلٌ لا فرع، وأنّها مورد رزق، وأنّ قطع الأرزاق من قطع الأعناق، وإنْ كان رزق الزبالة من فوق ومن تحت. فكيف إذا كان خصوصًا من فوق إلى تحت.

والحال هذه، وما دامت الرؤية منقشعة وواضحة، ولا لبس في المشهد اللبنانيّ، ولا التباس في الأحوال، وفي المصير، فليس على المرء المذبوح (المواطن اللبنانيّ) إلّا أنْ يفعل ما يجب أنْ يُفعَل. وخصوصًا في مسألة الزبالة. فليفعلْ. هذا، إذا أراد أنْ يفعل.

بقلم عقل العويط

 الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية 

المزيد من الأخبار