latina women power
KM
news

غنيم: أفغانستان نعمة قد تتحول لنقمة للأميركيين

ميشال غنيم

بعد العمل الإرهابي الذي حصل في الولايات المتحدة الأميركية في تاريخ 9/11 سنة 2001، اتخذت الإدارة الأميركية القرار بدخول أفغانستان عسكريًا، وذلك بحجة تطويق حركة طالبان الإرهابية والقضاء عليها، ردًّا على الهجوم الإرهابي الذي هزّ أميركا والعالم بأسره. مرت سنوات عديدة على التدخل الأميركي في أفغانستان، الأمر الذي زاد الوضع سوءًا أمنيًا واقتصاديًا نتيجة الإضطرابات التي كانت تحدث، إلى أن وصلت الإدارة الأميركية وبعد ٢٠ سنة لأخذ قرار الإنسحاب من أفغانستان، وتصويب إهتمامهم الجديد لمحاولة إحتواء النهوض الصيني قدر الإمكان. ولكن بمصلحة من سيصب هذا الإنسحاب؟ وهل ستستطيع الصين وحلفائها تحويل النقمة التي زرعتها أميركا في آسيا الوسطى إلى نعمة لمصلحتهم؟

بعض الأرقام تشير إلى أن عدد الجيش الأفغاني يراوح ال٣٠٠،٠٠٠ جندي داخل البلاد، أما حركة طالبان فعددها لا يتجاوز ال٦٠،٠٠٠ مسلّح. فكيف استطاعت طالبان أن تسيطر على الأراضي الأفغانية في حين أن الجيش الأفغاني عدده أكثر ب٥ مرات؟

فالجيش الأفغاني معظمه من المرتزقة، وطالما أن الجيش عدده كبير ولكن غير موحّد حول قضية واحدة، وضعيف المعنويات وموجود فقط من أجل الراتب والمخصصات، فمن الطبيعي أن ينهار بسرعة أمام جيش صغير مدعوم خارجيًا وموحّد حول عقيدة وقضية معيّنة.

إضافةً إلى ذلك، وبالرغم من تصريحات الأميركيين المعادية لحركة طالبان، إلّا أن الكلام الإعلامي شيء، والمصلحة السياسية شيء آخر. فإذا عدنا إلى التاريخ، نرى أن الولايات المتحدة دعمت حركة طالبان من أجل محاربة وردع الإتحاد السوفياتي، وقد نجحت بتنفيذ هذه المهمة. إذًا ما يمنع الأميركيين من استمرار دعمهم لطالبان لتهديد الصين وروسيا وإيران؟

إن الموقع الجغرافي لأفغانستان من الأسباب الرئيسية التي دفعت أميركا للدخول والسيطرة على البلاد، فإيران تشارك أفغانستان جزء كبير من الحدود البرية كما أن الصين تقع على شرقها وروسيا من الشمال. يعني ذلك أن من الطبيعي أن تتأثر هذه البلدان بالإنسحاب الأمريكي من المنطقة، ولكن على حساب من؟

بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية: انسحابها من أفغانستان يعني خلق ساحة جديدة للصراع لمحاولة إحتواء الصين وروسيا وإيران. فبالرغم من علاقة طالبان مع البلدان الثلاث، إلّا أن الحركة مدعومة بالأساس أميركيًا وهناك ٢٨ مليار دولار من السلاح قد تم شحنها من الولايات المتحدة إلى أفغانستان بين ٢٠٠٢ و٢٠١٧. يعني ذلك بأن طالبان تمتلك كم هائل من الأسلحة الثقيلة التي تستطيع من خلالها زعزعة أمن المنطقة ووسط آسيا. وبالتالي، ستلعب أميركا دور المراقب وستصب اهتمامها السياسي والعسكري على مواجهة الصين روسيا في قارة افريقيا.

بالنسبة للصين: اعترفت بطالبان كجهة رسمية في أفغانستان بعد سقوط العاصمة “كابول”. يعني ذلك أن الصين لا تكترث للجهة الحاكمة على قدر ما تهتم بأن تخافظ على مصالحها التجارية والإقتصادية في المنطقة، والدليل على ذلك موافقة طالبان على إشراك الصين في بعض الإستثمارات المحلية والعمل في المناجم، الثروة الأكبر لدى أفغانستان. أما الأهم، فهو موافقة الصين على إشراك طالبان في طريق الحرير، شرط ألّا تتعرّض لمصالح الصين وأن تعزز الأمن والسلام في المنطقة، لأن عكس ذلك سيهدد المصالح المشتركة ولن يبقى رابح.

بالنسبة لروسيا: أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أكثر من مناسبة بأن طالبان لن تكون حليفة روسيا، وذلك بسبب الخلاف التاريخي بين الطرفين، والذي أدى إلى انسحاب الإتحاد السوفياتي من الأراضي الأفغانية بدعم من الولايات المتحدة. كما أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن السلاح الأميركي في يد حركة طالبان يهدد أمن روسيا ومصالحها، الأمر الذي يؤكد استياء روسيا من خطوة الإدارة الأميركية بالإنسحاب. ولكن هذا لن يؤدي إلى تدخل عسكري روسي في أفغانستان، أقله بحسب ما صرّح الرئيس بوتين: “لقد تعلمنا من أحداث التاريخ، لذا لن نتدخل عسكريًا في أفغانستان ضد طالبان”. فالتطورات لا تزال مستمرة وقد تساهم روسيا في تفاهمات اقتصادية وأمنية حفاظًا على السلام في آسيا الوسطى.

بالنسبة لإيران: أتت النتائج على عكس ما توقّع البعض. فصحيح أن حركة طالبان تتألف من السنّة المتشددين وقد يساهم هذا الواقع بارتفاع فرضية الإصدطدام مع جمهورية إيران “الشيعية”، ولكن عند المصالح يبقى العرق والدين أمر ثانوي لدى الدول. فوزير خارجية إيران جواد ظريف استقبل وفد من حركة طالبان السنة الماضية وعرض معهم التطورات في المنطقة، تمهيدًا لمرحلة ما بعد الإنسحاب الأميركي. تأتي هذه الخطوة لدلالة أن إيران تفضّل الحوار والأمن مثل الصين وروسيا، للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية ومنع الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها. والدليل على ذلك استئناف إيران تصدير النفط إلى الأراضي الأفغانية بعد طلب من حركة طالبان.

فهل تستفيد الولايات المتحدة الأمريكية من خلق قنبلة أمنية في آسيا الوسطى، أم ستنقلب هذه الخطوة على أصحابها في حال أدركت طالبان بأن مصلحتها تأتي بالتفاهم مع الثلاثي الشرقي؟

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية

المزيد من الأخبار