KM
news

فخر الدين: التربية والتعليم بين التدمير الذاتي, وصياغة إستراتيجية النهوض الكبرى

الناشط السياسي – علي فخر الدين

يقول يوهان سلنمان وهو فيلسوف، وعالم، وصحفي، ورجل سياسة، لعب دورا” مهما في تكوين الهوية الفنلندية

” التعليم سر الأمان بالنسبة للأمم الصغيرة”

ففي عالمنا الحديث، يوفر ترسيخ الإيمان بالتعليم والمواطنون المتعلمون، عنصر الأمان والنجاح والتقدم، نحو الصفوف الأولى لأي بلد، ويصبح من المتوقع أن يظل هؤلاء على إطلاع دائم على مجموعة كبيرة من القضايا والشؤون والإهتمامات المجتمعية.

ولبنان كبلد صغير المساحة، قليل الموارد، فهو هذه الأمة الصغيرة التي تحتاج هذا السر من أجل الأمان ،وقد شجعت كل الأديان السماوية، والتعاليم الدينية، والعرفية، على هذه الأهمية التي تلعب دورا بارزا في ازدهار الفرد الذي يؤسس لإزدهار المجتمع لاحقا”.

وتعتبر التربية والتعليم ، هي المنطلق في بناء جيل جديد، ذي رؤية وطنية واحدة ضمن التعدد، يكون على كاهلها النهوض بلبنان موحد ومستمر.

ومما لا شك فيه أن المدرسة الرسمية تعاني تحت وطأة الأزمات المتجددة وتشهد تراجعا” على مختلف الأصعدة، بالرغم من كونها الخيار الوحيد أخاه الفئات الأكثر فقرا وهم في ازدياد مستمر.

إن مانشهده اليوم ليس وليد صدفة بل هو سلسلة متلاحقة لمجموعة من الأحداث، والأسباب، التي تؤدي إلى التدمير الذاتي وبالتالي خسارة جزء من الأمن المجتمعي.

وتدخل عوامل عديدة ممنهجة، وغير ممنهجة، مقصودة أو عفوية، في في هذه العملية التدميرية

أولا” غياب الدعم المادي

تشكل موازنة وزارة التربية مانسبته اليوم أقل من ٨٪ من الموازنة العامة للدولة يذهب ٩٠٪ منها معاشات للمعلمين وماتبقى لا يعطي فرصة من أجل تطوير وتحسين البنية التربوية لوجستيا” وبشريا” ويقلل من حظ المشاريع التربوية الهادفة.

إن تدني تمويل صناديق المدارس إلى دون الحد الأدنى في أكثر الأحيان قد لا يوفر الإعتمادات من أجل تزويد المكتبة أو المختبر أو دعم الأنشطة اللاصفية أو تأمين المحروقات..، إضافة للعديد من الفراغات التي تتركها قلة التمويل وصرف المستحقات على كامل البنية التربوية.

ثانيا التراكم في الكادر التعليمي

ازدياد اعداد التعاقد والفائض المزمن في الملاك، والإرشاد ووضعه الشاذ، وخريجوا كلية التربية، والمستعان بهم، والإجرائي،.. وغياب المباريات وتهميش مجلس الخدمة المدنية..

كل هذه الصفات والأسماء والملفات تزيد من التنفيعات السياسية والهدر والسرقات وعدم الإستقرار خصوصا مع غياب الغطاء اللازم من ضمان صحي وبدل أتعاب شهري وإجازات على أنواعها لكل هذه الأنواع من التعاقد وظهور خطر وشيك ومحدق بمستقبلهم ومستقبل التعليم الرسمي.

ثالثا تعليم رسمي هرم والإفتقار للعنصر الشبابي

١٦٪ أو أكثر، هي نسبة المعلمين فوق ال ٥٠ سنة الذين لم يعودوا قادرين على ممارسة التعليم أو الإستفادة من الدورات التدريبية أو حتى لم يعد يصلح للتواجد في المدرسة الرسمية لأسباب صحية، جسدية، عقلية، نفسية، مع ذلك تلاحظ افتقار المدرسة للعنصر الشبابي، الذي يدعم ويطور البنية التربوية ويخدم المشاريع التقدمية، على مختلف المستويات ويضمن العمل على مجمعات مدرسية تتمتع بالمعايير التربوية والبيئية اللازمة.

رابعا” الإسراف في الرقابة عمليا” وتربويا” مع غياب المحفزات المالية

زيادة ملحوظة في أعداد المفتشين التربويين، الذين ومن خلال زيارة ميدانية، يراقب الأداء والمادة للمعلم، الذي لا يملك أقل الخصائص، والموارد، التي تقوض السعي نحو بلوغ الأهداف التربوية وتمكينه من العمل على أفضل وجه لوحده كالطبيب مثلا” الذي يملك عيادة خاصة، وافتقاره أيضا للهوامش والصلاحيات التي عادة ماتكون ضيقة وتقلل من احتمالية الإرتقاء بوظيفته إلى وظيفة رفيعة واضحة، المناهج شديدة المرونة في المجتمع، فحتى الدورات التدريبية يتغيب عنها المعلم!! ولو حضر يختار الدورة الأقصر مع عدم الإلتفات لمنفعتها لاحقا” لأن لا وجود لمحفزات مالية ترعى تلك الساعات أو الأيام ال معدودة، التي يمضيها في الدورة.

خامسا” عدم توافر بناء مدرسي حديث والطالب إلى ثكنات عسكرية

البناء المدرسي نقطة أساسية، تدعم التفاعل الإيجابي، وتطور الطالب، وتجعله يتأقلم مع المناخ التربوي، بدل من اعتقاده بأنه يذهب إلى ثكنة عسكرية تبدأ بالأوامر المنزلية، ثم الملعب ثم الصف، ثم الواجبات، والتركيز على الإختبارات، تدني وقت الإستراحة، الدوام المبكر..

بدلا من تعزيز الإكتشاف الحر، وممارسة الأنشطة والتعاون بدل التنافس، والعلاقة الشخصية بين المعلم والطالب، وتثمين المدرسة بأشياء يمكن تحريكها، وإعادة ترتيبها، وتعزيز الإستراحات، وتقليل الواجبات.

إضافة للعديد من العوامل، التي لا يسعنا ذكرها وحاولنا اختصارها قدر الإمكان..

ومن أجل النهوض بالتربية والتعليم، ومواجهة هذا التدمير الذاتي والحفاظ على سر الأمان
يجب صياغة استراتيجية تربوية سليمة تتألف من عدة خطوات تفضي لصناعة قرار حقيقي، يبطل مفعول كل الدسائس ويبعد النهج التربوي عن السياسية وتقلباتها.
وتصاغ هذه الإستراتيجية عبر عدة خطوات

أولا” البيئة المحلية

معرفة الإفتراضات الخاصة بها، واستقواء خصائصها الإجتماعية والسياسية، والإقتصادية، والثقافية من خلال ملاحظة الأيديولوجية التي تكمن ورائها البنية الإجتماعية واتجاهات الرأي العام ورد فعل السلطة التنفيذية والتشريعية من المخططات والطروحات، ودور الأحزاب وتأثيرها ورأى النخب والجهات الفاعلة وهل الشعب يتمتع وينزع فعلا نحو القومية التربوية؟!

ثانيا تحديد المصالح(الغايات) وترتيبها

وتكمن في أهمية تحديد المصالح التي تسوغ العمل التعليمي وتخدم تصورات وخيال المجتمع المثقف، من أجل تحقيق الإزدهار والرفاه التربوي.

ومن ثم ترتيب الأولويات في هذه الغايات، الترتيب الذي يتيح التمييز بين ماهو حيوي، وماهو مهم جدا، وماهو مهم، وماهو هامشي، ويساعد على عدم تعارض المصالح مع بعضها. ويساهم في تحديد حجم الموارد والوقت، من أجل إنجازها لأن ليست كل المصالح، والغايات والأمنيات، متساوية في الأهمية.

ثالثا” تقييم التهديدات والفرص

وباء كورونا وتحوراته، مضافا اليه الأزمة الإقتصادية، كشف عمق أزمة في وضع التصورات والخطط النهائية، وضعف القابلية للتعاطي، أو إدارة هذه التهديدات، وقد عرضت التربية والتعليم لضرر نسبي كان من نتائجها ارجاء الإمتحانات الرسمية للشهادة المتوسط لعامين متتاليين، وقد وقع هذا التهديد على الجسم التربوي دون توقيت مسبق، ولم يكن آنيا”، وقد يستمر مستقبليا”، وستتعرض البيئة التربوية لكارثة، إذ لم نعرف ماهي المزايا الخاصة والفرص المتوفرة في البيئة المحلية أو الصديقة أو غيرها التي من شأنها تمكيننا من تحويل التهديدات بأنواعها لفرض سانحة.

رابعا ” تحديد الأهداف

إن تحديد الأهداف التي يجب إنجازها يساعد للوصول للغاية المطلوبة كعام دراسي ناجح مثلا”.

ومعرفة دورها في حماية الهيكل التربوي من المخاطر، والتهديدات، ودورها أيضا في الإفادة من الفرص المتوفرة بغية الدفع نحو التقدم والإرتقاء تربويا.

فضلا” عن معرفة كون هذه الأهداف مرغوبة تخدم وتعزز المصلحة الوطنية، ذات جدوى هل تتوفر الأدوات اللازمة أو لا كالمدرسة الصيفية، واتجاهات الرأي العام؟!

أخيرا اختيار وتحديد الأدوات المناسبة

التي تساعد في تحقيق وإنجاز الأهداف المراد بلوغها، وقبل عملية اختيار وتحديد الأدوات يتطلب الإجابة على بعض التساؤلات:

مثل ماهي الشروط المتاحة لكي تعمل الأداة وتنجح وماهي الظروف اللازمة لإستدامة الدعم الشعبي عند استخدامها، كمسألة المعلم المتعاقد بالظبط؟! كيف تجعل هذه الأداة مقاومة عصية على الظروف والتهديدات وتجعلها مرنة في التقاط الفرص؟ فضلا عن معرفة ماهي المصالح التي تدعمها هذه الأدوات أو تلك التي لا تدعمها ولا تخدمها!؟

وهل يمكن استخدام الأداة لهدف أو أكثر يخدم المصالح أو الغاية العليا وهل تحتوي الأدوات على الخصائص اللازمة؟! وماهي الموارد ومامدى تكاليفها أخطارها!؟…

إن الحصول على أجوبة، يحتاج للدخول في كل تفصيل من شأنه تحصين التربية والتعليم، والحصول على سر أمان مجتمعنا الصغير وصياغة وبلورة استراتيجية وخطة تربوية محكمة بدلا من صياغة آلالاف المشاريع، التي تسرع في عملية التدمير الذاتي، وخصوصا العقلية التي تدار بها موارد موازنة وزارة التربية ونفقاتها لكي لا تبقى المشاريع التي يتحدث عنها الوزاراء المتعاقبون في الإعلام أحلاما” مؤجلة.

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية

المزيد من الأخبار